أبى تزوج بعد رحيل امى بثلاثة أشهر

في تلك اللحظة، ساد صمت ثقيل، حتى إن صوت عقارب الساعة كان أوضح من أنفاسنا.

نظر أبي إلى الأرض، ولم يستطع أن يرفع عينيه نحوي.

قال خالي أحمد بحدة: “اتكلم… خلاص مفيش حاجة تستخبى.”

بدأت هالة تبكي وهي تهز رأسها: “أنا قلتلك من زمان إن الكذب عمره قصير.”

رفع أبي رأسه أخيرًا، وكان يبدو أكبر من عمره بعشرين سنة.

قال بصوت مكسور: “أيوه… سارة بنتي.”

شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي.

قلت وأنا أرتجف: “يعني… أختي؟”

هز رأسه ببطء.

اتضح أن أبي كان على علاقة بهالة قبل سنوات طويلة، قبل مرض أمي حتى، وأن سارة ثمرة تلك العلاقة.

ولما حملت هالة، سافرها بعيدًا، ثم زوّجها لرجل وافق أن يسجل الطفلة باسمه مقابل مبلغ من المال.

وظل السر مدفونًا سنوات.

أما أمي…

فقد عرفت الحقيقة قبل وفاتها بشهور.

لم تواجه أبي، ولم تفتعل فضيحة.

بل ذهبت إلى محامٍ، وكتبت وصيتها، وحفظت كل المستندات والصور والرسائل، وكتبت في آخرها:

“لو محمود عرف الحقيقة وأنا عايشة، هيكره أبوه. ولو عرفها بعد موتي، هيعرف إني سبتله حقه كامل.”

وقعت الكلمات على قلبي كالسكين.

سألت أبي: “يعني أمي ما.تت وهي شايلة الوجع ده كله لوحدها؟”

لم يرد.

كان يبكي فقط.

أما هالة، فقالت وهي تمسح دموعها: “أنا غلطت… بس كنت فاكرة إنه هيصلح كل حاجة بعد الجواز.”

صرخ فيها خالي: “إصلاح إيه؟ ده ضيعتوا بيت وأسرة كاملة.”

في الأيام التالية، بدأت الإجراءات القانونية.

المحامي أكد أن وصية أمي صحيحة وموثقة.

ونصف الشقة أصبح ملكي بالفعل.

أما غرفتي، فلم يكن من حق أي شخص أن يخرجني منها.

اضطر أبي أن يوقّع إقرارًا بحقوقي كاملة.

ورجعت البيت مرة واحدة فقط.

دخلت غرفتي.

كانت رائحة أمي اختفت.

والستائر التي اشترتها هالة علقتها مكان ستائر أمي.

نزعت الستائر بيدي.

وأعدت كل شيء كما كان.

ثم جمعت باقي أغراضي.

قال أبي باستغراب: “راجعة تعيشي هنا؟”

نظرت إليه بهدوء.

وقلت: “لا.”

“أنا رجعت آخد حقي… مش حياتي.”

بعت نصيبي في الشقة بعد أشهر، واشتركت مع خالي في شراء شقة صغيرة قريبة من الجامعة.

أكملت دراستي، ثم عملت، واعتمدت على نفسي.

أما أبي…

فلم يعد كما كان.

العلاقة بينه وبين هالة امتلأت بالمشاكل بعد انكشاف كل الأسرار.

وسارة كانت الضحية الأكبر.

لم تكن تعرف الحقيقة هي الأخرى.

عاشت سنوات تظن أن رجلًا آخر هو والدها، ثم اكتشفت فجأة أن حياتها كلها مبنية على كذبة.

بعد عامين، جاءت سارة تزورني.

كانت تبكي.

قالت: “أنا ماليش ذنب.”

احتضنتها.

وقلت: “ولا أنا.”

ومنذ ذلك اليوم، بدأت بيننا علاقة أخوة حقيقية، بعيدًا عن أخطاء الكبار.

أما أبي…

فحاول كثيرًا أن يعتذر.

كان يرسل رسائل في كل عيد، ويتصل في يوم ميلادي، ويطلب أن يراني.

لكن هناك أشياء يكسرها الإنسان بيده، ولا يستطيع إصلاحها مهما اعتذر.

وفي الذكرى الخامسة لوفاة أمي، ذهبت إلى قبرها وحدي.

وضعت وردة بيضاء، وقرأت الفاتحة.

ثم همست:

“اطمني يا أمي…

أنا خرجت من البيت مك.سورة…

لكن وصيتك رجعتلي حقي…

وربتني للمرة الأخيرة، حتى بعد رحيلك.”

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0