ابي رمى دفتر التوفير  

ابي رمى دفتر التوفير

خرجت الكلمة من فمي وكأن أحدًا انتزعها من حنجرتي بالقوة.

أشار مدير المصرف إلى رجل الحماية عند الباب، ثم اصطحبني إلى مكتب داخلي تحيط به نوافذ زجاجية معتمة. لم أستطع التوقف عن النظر إلى دفتر التوفير. كان الطين قد جف على أطرافه، وما زالت تفوح منه رائحة المقبرة… رائحة التراب الرطب والزهور المبتلة والوداع.

قال

آنسة مريم، هذا الحساب مجمد منذ تسعة عشر عامًا بسبب محاولة سحب احـ,ـتيالية.

حدقت فيه.

لا أفهم.

فتح ملفًا إلكترونيًا على الحاسوب.

ظهر اسمي الكامل على الشاشة.

ثم تاريخ ميلادي.

ثم عبارة جعلتني أشعر وكأنني انفصلت عن جسدي تمامًا.

حالة المستفيدة متوفاة.

وضعت يدي على صدري.

لكنني أقف أمامكم الآن.

هز رأسه ببطء.

لهذا السبب استدعينا الحماية. ولهذا السبب أيضًا تم إبلاغ قسم الجرائم المالية والجهات المختصة. شخص ما سجل شهادة وفاة باسمك عندما كان عمرك ثماني سنوات.

ثماني سنوات.

العمر نفسه الذي أخرجني فيه أبي من المدرسة دون أن يخبر أحدًا.

العمر نفسه الذي توقف فيه عن اصطحابي إلى الطبيب.

العمر نفسه الذي بدأت فيه جدتي أمينة ترافقني بنفسها إلى باب المدرسة وتبقى تراقب الشارع وكأنها تنتظر شيئًا مخيفًا.

سألته

من فعل ذلك؟

رغم أنني كنت أعرف الجواب مسبقًا.

تنهد المدير بعمق.

ثم قال

سعد محمود.

شعرت وكأن ضـ,ـربة هائلة سقطت فوق رأسي دون أن يلمسني أحد.

خارج النافذة كانت الحافلات تمر.

وباعة

الشاي ينادون على بضاعتهم.

والنساء يحملن أكياس التسوق.

والناس يسرعون إلى أعمالهم.

أما داخلي…

فكان طفولتي كلها تنقسم إلى نصفين.

تابع المدير

جدتك اعترضت رسميًا على هذا الإجراء. كانت تأتي إلى هنا باستمرار وهي تحمل هذا الدفتر. لم تكن تريد إثارة ضجة كبيرة، لكنها تركت تعليمات صارمة. قالت إنه إذا حضرتِ يومًا وأثبتِّ هويتك، فيجب إبلاغ السلطات فورًا.

سألته

وماذا عن الأموال؟

نظر إلى الشاشة.

ثم خفض صوته.

الأمر لا يتعلق بمدخرات بسيطة فقط.

وقبل أن يكمل جملته، انفتح الباب.

دخل شرطيان.

وبرفقتهما امرأة ذات شعر مربوط إلى الخلف، ترتدي سترة داكنة وتحمل نظرة حادة وواثقة.

قدمت نفسها

المحققة ليلى من الادعاء العام.

ضممت الدفتر بقوة إلى صـ,ـدري.

أنا لم أفعل شيئًا.

قالت بلطف

نعلم ذلك. لكننا بحاجة إلى إفادة رسمية منك. جدتك قدمت بلاغًا موثقًا قبل ثلاثة أشهر.

ثلاثة أشهر.

في الوقت الذي كانت فيه ما تزال تجلس قرب الفرن الصغير وتخبز الكليجة والحلويات التي تبيعها في السوق الشعبي.

في الوقت الذي كانت تلف فيه كتفيها بالشال البني وتقول لي إن الحياة صعبة، لكنها لا تخذل أصحاب الحق.

همست

كانت مريضة… بالكاد تستطيع المشي.

قالت المحققة

ومع ذلك جاءت. قالت إنها لم تعد تملك الكثير من الوقت.

ناولوني كأس ماء.

لكن حلقي كان مشدودًا أكثر من أن يسمح لي بالشرب.

وخلال الإفادة بدأت الحقيقة تتسرب أمامي ببطء.

أمي لم تتركني

كما كان أبي يردد طوال حياتي.

أمي، إلهام، توفيت في حـ,ـادث حافلة مأساوي عندما كان عمري عامين فقط، قرب أحد التقاطعات الرئيسية في المدينة.

كانت تعمل في معمل للخياطة.

وكان لديها تأمين قانوني بسيط.

ذلك النوع من التأمين الذي لا يتحدث عنه الناس كثيرًا.

لكنه قادر على تغيير مستقبل طفلة كاملة.

كل الأموال كانت باسمي.

لم تكن ثروة خيالية.

لكنها كانت كافية لتأمين الدراسة والسكن والعلاج ومستقبل آمن.

وقد عُينت جدتي أمينة وصية قانونية عليّ حتى أبلغ سن الرشد.

لكن أبي، الغاضب والطامع، حاول الاستيلاء على كل شيء.

وحين فشل…

قـ,ـتلني على الورق.

وضعت المحققة أمامي نسخًا من الوثائق الأصلية.

شهادة وفاة مزورة.

توقيع مقلد لجدتي.

محاولة تحويل أموال إلى حساب لا يعود لها.

وبجانب بيانات التحويل ظهر الاسم الذي كنت أخشاه.

سعد محمود.

غطيت فمي بيدي كي أمنع نفسي من الصراخ.

قالت المحققة

لم يستطع والدك سحب الأموال لأن جدتك اكتشفت التزوير فورًا. لكنها لم تستطع إنهاء تجميد الملف بالكامل. لذلك بقي الحساب مجمدًا حتى تحضري بنفسك وتثبتي أنك ما زلت على قيد الحياة.

رفعت رأسي.

لماذا لم تخبرني جدتي بالحقيقة؟

لم تجب مباشرة.

فتحت ظرفًا أصفر قديمًا.

وأخرجت رسالة مكتوبة بخط جدتي.

كان الخط مرتجفًا.

لكن الكلمات كانت قوية.

مريم… سامحيني. لقد أقسم سعد أنه إذا تكلمت فسوف يؤذيك حقًا. ظننت أنني أستطيع الانتظار حتى تكبري. ثم

ظننت أنني سأحل الأمر وحدي. ثم جاء المرض. لكنني لم أسمح له يومًا أن يسـ,ـرق حقك.

سقطت دموعي فوق الورقة.

في تلك اللحظة فهمت أن جدتي لم تكن امرأة ضعيفة أبدًا.

لقد قاومت بالطريقة التي تقاوم بها النساء البسيطات.

النساء اللواتي يحملن الأطفال والديون والأسرار والأعباء الثقيلة دون أن يقيم لهن أحد تمثالًا.

لقد حاربت المصارف.

والأوراق الرسمية.

والتهـ,ـديدات.

والمرض.

وابنها نفسه.

كل ذلك من أجلي.

عندما خرجت من مبنى الادعاء العام، كانت السماء ملبدة بالغيوم.

وكانت حركة المرور تملأ الشوارع بالضجيج.

في البعيد كنت أرى المدينة تتحرك كالمعتاد.

لكن داخلي لم يعد كما كان.

تذكرت أن جدتي كانت تخاف دائمًا من المرتفعات.

ومع ذلك عاشت حياتها كلها فوق حبل مشدود.

أوصتني المحققة ليلى بوضوح ألا أواجه أبي.

وقالت إن مذكرة رسمية ستصدر بحقه.

وقالت كل الكلمات القانونية الصحيحة.

هززت رأسي موافقة.

ثم فعلت الشيء الوحيد الذي لم يكن يجب أن أفعله.

عدت مباشرة إلى البيت.

كانت رائحة الزيت المحـ,ـروق والرطوبة والطعام القديم تملأ البناية.

وفي الساحة المشتركة كانت إحدى الجارات تغسل الملابس داخل حوض بلاستيكي أزرق كبير.

ما إن رأتني أدخل، وعباءتي السوداء ما تزال مغطاة بطين المقـ,ـبرة، حتى اتسعت عيناها.

وقالت بسرعة

يا مريم… أبوك يبحث عنك كالمجنون.

لم أتمكن حتى من الرد.

فجأة انفتح باب الشقة بعنف.

وخرج سعد.

كان قميصه مفتوح الأزرار.

وعيناه حمراوين بشكل مخيف.

وخلفه مباشرة خرجت سحر وهي ممسكة بهاتفها.

أما كرار فوقف عند الباب شاحب الوجه، وقد

اختفت كل خفة ظله المعتادة.

نظر أبي مباشرة إلى يدي.

رأى دفتر التوفير.

فتغير وجهه.

وقال

أعطيني إياه.

لم يقل يا ابنتي.

لم يسأل أين كنت.

لم يسأل إن كنت قد أكلت.

لم يسأل إن كنت بخير.

لم يسأل حتى إن كنت ما زلت أبكي على جدتي.

قال فقط

أعطيني إياه.

ضممت الدفتر إلى صدري بقوة.

ونظرت إليه مباشرة.

ثم سألته

لماذا أعلنت وفاتي؟

ساد الصمت في الساحة كلها.

حتى الجارة أغلقت صنبور الماء.

ابتسم أبي.

لكن ابتسامته هذه المرة كانت مرعبة.

وقال

أنت لا تعرفين شيئًا.

قلت

أعرف كل شيء.

أعرف حقيقة أمي.

وأعرف حقيقة التأمين.

وأعرف أنك زورت شهادة وفاة باسمي.

وأعرف أنك حاولت الاستيلاء على الأموال عندما كان عمري ثماني سنوات.

أنزلت سحر هاتفها ببطء.

وقالت

سعد…

فالتفت إليها بغضب وصاح

اصمتي!

أعادني ذلك الصوت إلى سنوات طويلة مضت.

إلى الليالي التي كانت جدتي تقف فيها بيني وبينه.

إلى أصوات الصحون المتكسرة في الظلام.

إلى كل مرة كانت جدتي تقول لي

لا تخلطي بين الاحترام والسماح للآخرين بأن يدوسوا عليك.

تقدم أبي خطوة نحوي.

وقال

لقد ملأوا رأسك بالأكاذيب.

أجبته

جدتي تركت الأدلة.

احمر وجهه.

وقال باحـ,ـتقار

أمينة كانت عجوزًا تتدخل في كل شيء.

لم أفكر.

لم أتردد.

رفعت يدي وصفعته.

دوّى الصوت في الساحة كأنه انفجار صغير.

تجمد في مكانه للحظة.

ثم رفع يده ليضـ,ـربني.

لكن هذه المرة لم تكن جدتي موجودة لتقف أمامه.

هذه المرة كنت أنا من يقف أمام نفسي.

نظرت إليه بثبات وقلت

اضـ,ـربني.

اضـ,ـربني هنا.

أمام الجميع.

تمامًا كما كنت تريد دائمًا أن تفعل عندما كانت جدتي تمنعك.

بقيت يده معلقة في الهواء.

وفي تلك اللحظة صرخت الجارة

لقد اتصلت بالشرطة بالفعل!

استدار أبي نحوها بغضب أعمى.

وكانت تلك الثانية الواحدة كافية.

أخرجت هاتفي من حقيبتي.

كانت المكالمة ما تزال مفتوحة.

والمحققة ليلى كانت تستمع إلى كل شيء.

أدرك أبي ما يحدث بعد فوات الأوان.

اندفع نحوي محاولًا انتزاع الدفتر من يدي.

وجذبني بعنف حتى كدت أسقط على الأرض.

ولأول مرة في حياته تحرك كرار.

ركض نحونا وهو يصرخ

اتركها يا أبي! توقف!

دفعه أبي بقوة نحو الحائط.

فارتطم به بعنف.

أما سحر فبدأت تبكي.

ليس شفقة عليّ.

بل بالطريقة التي يبكي بها الشركاء عندما يدركون أن النار التي ساعدوا على إشعالها بدأت تقترب منهم.

وفي الشارع الرئيسي بدأت أصوات صفارات الشرطة تقترب.

فجأة استدار أبي وركض نحو داخل الشقة.

تبعتُه دون تفكير.

كان قلبي يخفق بعنف داخل صدري.

فتح صندوق أدوات معدنيًا.

وأخرج ظرفًا سميكًا مليئًا بالأوراق.

ثم أخفاه تحت سترته.

صرخت

تلك تخص جدتي أيضًا!

لكنه اندفع خارج الباب الخلفي للشقة.

إلى الزقاق الضيق خلف البناية.

كانت الأرض مبللة ببقايا المطر.

وكنت أركض خلفه بينما تنزلق قدماي فوق الطين.

مررنا قرب عربة طعام شعبية.

ثم قرب جدار مرسوم عليه عمل فني قديم.

ثم قرب نصب صغير وضع عليه السكان بعض الشموع والزهور.

وكانت المنطقة كلها تراقب المشهد.

وصل أبي إلى الشارع الرئيسي.

ابتلعته أصوات الحافلات والسيارات للحظات.

ثم رأيته يغير اتجاهه نحو محطة النقل.

كان يظن أنه سيختفي بين الناس.

كما كان يختفي دائمًا داخل أكاذيبه.

لكن المدينة رفضت أن تخفيه هذه المرة.

ظهر شرطيان أمامه مباشرة.

وقطعا عليه الطريق قرب عربة لبيع الفطور.

دفعت البائعة عربتها المعدنية الثقيلة أمامه كحاجز.

وصرخت

ليس من هنا أيها الحقير!

تعثر أبي بقوة عند الرصيف.

وسقط الظرف من يده.

وانفجر محتواه فوق الإسفلت المبلل.

تناثرت الأوراق في كل اتجاه.

نسخ هويات.

كشوفات مصرفية قديمة.

بطاقة تعريف مـ,ـزورة تحمل اسمي.

وصورة لامرأة لم أرها في حياتي من قبل.

ركعت بسرعة أجمع الأوراق.

ثم توقفت.

كانت الصورة لأمي.

إلهام.

وكانت تملك عينيّ تمامًا.

ليست عيني أبي.

بل عينيّ أنا.

في الصورة كانت تحمل سلة من المعجنات.

وتبتسم أمام زينة شعبية بسيطة.

وعلى ظهر الصورة كانت هناك عبارة مكتوبة بخط أنيق

لمن رحلوا… لكنهم لا يُنسون أبدًا.

ضممت الصورة إلى صدري.

وانفجرت بالبكاء.

بكيت أكثر مما بكيت يوم دفن جدتي.

وبينما كنت أبكي، كان رجال الشرطة يثبتون الأصفاد في معصمي أبي.

راح يقاوم ويصرخ

إنها ابنتي!

أنا من ربيتها!

رفعت رأسي ببطء.

ونظرت إليه مباشرة.

ثم قلت

لا.

أنت فقط عشت على حسابي.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0