الذكرى السنوية لتأسيس الجيش العراقي: 105 أعوام من التضحية والهوية الوطنية

احتفل العراقيون مؤخراً بالذكرى الـ105 لتأسيس الجيش العراقي، والتي توافق السادس من كانون الثاني/يناير من كل عام، وهو تاريخ يحمل دلالات وطنية عميقة في وجدان الشعب العراقي. لا يُعد هذا اليوم مجرد مناسبة رسمية أو احتفال عابر، بل هو محطة لاستحضار تاريخ طويل من التضحيات والبطولات، ومسيرة مؤسسة عسكرية لعبت دوراً محورياً في تشكيل الدولة العراقية الحديثة وحماية سيادتها ووحدتها.

تأسس الجيش العراقي عام 1921، بعد عام واحد فقط من تأسيس الدولة العراقية، وكان من أوائل مؤسساتها السيادية. ومنذ نشأته، ارتبط الجيش بفكرة الوطن والانتماء، حيث تشكلت وحداته الأولى من أبناء مختلف مناطق العراق، ما جعله رمزاً للوحدة الوطنية والتنوع الاجتماعي. ومع مرور السنوات، تطور الجيش من حيث التنظيم والتسليح والعقيدة العسكرية، ليصبح أحد أعمدة الدولة العراقية.

على مدى أكثر من قرن، مرّ الجيش العراقي بمحطات تاريخية صعبة ومفصلية، خاض خلالها حروباً ومع-ارك داخلية وخارجية، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه. ورغم اختلاف المراحل السيا-سية وتغير الأنظمة، بقي الجيش حاضراً في المشهد الوطني، يتأثر بالظروف المحيطة لكنه لا يفقد مكانته في الذاكرة الجمعية للعراقيين. فالجندي العراقي ظلّ رمزاً للتضحية والصبر، سواء في الدفاع عن الحدود أو في مواجهة التحديات الأمنية الداخلية.

الاحتفال بالذكرى الـ105 هذا العام جاء في سياق خاص، حيث يشهد العراق مرحلة يسعى فيها إلى تعزيز الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية. وقد عبّر المواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام عن اعتزازهم بالجيش، مستذكرين أسماء الشهداء ومواقف البطولة، ومؤكدين أهمية دعم المؤسسة العسكرية بعيداً عن التجاذبات السياسية. كما شهدت بعض المحافظات فعاليات رمزية، شملت رفع الأعلام، وإطلاق عبارات التهنئة، وتكريم منتسبين سابقين في الجيش.

ويمثل الجيش العراقي اليوم أكثر من مجرد قوة عسكرية، فهو مؤسسة تسهم أيضاً في دعم السلم المجتمعي، والمشاركة في جهود الإغاثة ومواجهة الكوارث الطبيعية، إضافة إلى دوره في حماية الحدود ومحاربة الإرهاب. وقد أثبت الجيش، بالتعاون مع باقي القوات الأمنية، قدرته على التصدي للتنظيمات المتطرفة التي هددت أمن البلاد في السنوات الماضية، وهو ما أعاد الثقة الشعبية به بعد فترات عصيبة.

ولا يمكن الحديث عن ذكرى تأسيس الجيش دون التوقف عند التحديات التي واجهته، خاصة بعد عام 2003، حين تعرضت المؤسسة العسكرية لهزات كبيرة أثرت في بنيتها. إلا أن السنوات اللاحقة شهدت محاولات جادة لإعادة البناء والتطوير، من خلال التدريب، وإعادة الهيكلة، وتعزيز المهنية والانضباط. ورغم أن الطريق ما زال طويلاً، فإن كثيرين يرون أن الجيش استعاد جزءاً مهماً من دوره وهيبته.

الجيل الجديد من العراقيين ينظر إلى هذه الذكرى بوصفها فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع الجيش، ليس فقط كمؤسسة قتالية، بل كجزء من الهوية الوطنية. فالتحدي اليوم لا يتمثل في الحروب التقليدية فقط، بل في بناء دولة قوية، يكون فيها الجيش خاضعاً للدستور، ومعبّراً عن إرادة الشعب، وحامياً للديمقراطية والاستقرار.

وفي الذكرى الـ105، تتجدد الدعوات إلى تحييد الجيش عن الصراعات السياسية، ودعمه ليكون مؤسسة جامعة لكل العراقيين. كما تبرز أهمية الاهتمام بالمنتسبين وعوائل الشهداء والجرحى، تقديراً لتضحياتهم، وضمان حياة كريمة لهم. فتكريم الجيش لا يقتصر على يوم واحد في السنة، بل يجب أن ينعكس في السياسات العامة والقرارات الاستراتيجية.

ختاماً، تبقى ذكرى تأسيس الجيش العراقي مناسبة وطنية جامعة، تذكّر العراقيين بتاريخهم المشترك، وبأن قوة الدولة من قوة مؤسساتها. وبعد 105 أعوام، لا يزال الجيش حاضراً في الوعي الجمعي رمزاً للصمود والانتماء، وأملاً بمستقبل أكثر أمناً واستقراراً للعراق، يستند إلى دروس الماضي ويتطلع بثقة إلى الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
794