سجــ,,ـــــنوا خالي 20 سنة بتهمة السرقة… لكن الملف الأصفر كشف من هو اللص الحقيقي!

سجــ,,ـــــنوا خالي 20 سنة بتهمة السرقة… لكن الملف الأصفر كشف من هو اللص الحقيقي!

رامي اخرج من هناك.

لم يكن صوت أبي يشبه صوت رجل ثمل.

وهذا أكثر ما أخافني.

في البيت، عندما كان يصرخ، كانت كلماته تتعثر، وتفوح منه رائحة الخمر، ويضــ,,ـــــرب الطاولة كحيوان جريح.

لكن تلك الليلة، داخل المصنع المهجور، خرج صوته واضحًا.

باردًا.

هادئًا.

كأن هذا الرجل هو الحقيقي، وأن الرجل الآخر لم يكن سوى قناع قديم.

دفعني خالي خلف خزانة ملفات صدئة.

وهمس

لا تتكلم.

ضغطت الملف الأصفر على صدـ,,ـــري.

شهادة الميلاد الأصلية علي رامي الهاشمي.

رامي.

الهاشمي.

وليس المالكي.

شعرت كأن حياتي كلها انقسمت بين لقبين.

اقتربت الخطوات من الممر.

قال أبي

لم تعد في الخامسة عشرة حتى تمثل دور الشهيد يا رامي. اخرج وأحضر الولد معك.

أخذ خالي نفسًا عميقًا.

ابقَ هنا.

قلت

لا.

نظر إليّ.

ولأول مرة لم أرَ الرجل الصامت الذي كان ينام في الغرفة المعدنية.

رأيت رجلًا تعب من الخسارة.

علي، ولو مرة واحدة في حياتك اسمع كلامي.

خرج من خلف خزانة الملفات ويداه ظاهرتان.

بقيت جالسًا على الأرض، أرتجف، والملف بين ذراعي.

دخل أبي إلى المكتب.

كان يحمل مسدسًا في يده.

لم يكن كبيرًا.

لكنه في تلك الغرفة المظلــ,,ـــــمة بدا كأنه يملأ الهواء كله.

وخلفه دخل رجل يرتدي بدلة رمادية، وجهه مستدير، ونظارته رفيعة، ويحمل ملفًا تحت ذراعه.

قال خالي

عادل.

عادل.

لم أسمع أحدًا ينادي أبي بهذا الاسم

من قبل.

بالنسبة لي كان دائمًا أبي.

وفي الأوراق عادل المالكي.

وفي الحي أبو علي.

لكن داخل المصنع المهجور، أصبح شيئًا آخر.

قال أبي

قلت لك لا تعد إلى هنا.

لم يخفض رامي نظره.

وأنا قلت لك إن يومًا سيأتي ويعرف علي الحقيقة.

ضحك أبي ضحكة بلا فرح.

يعرف ماذا؟ أن خاله سجين؟ أن أمه فضّلت دائمًا الدفاع عن مجرم بدل زوجها؟

خطا رامي نحوه خطوة.

أنزل السلاح. الولد لا علاقة له بهذا.

قال أبي

له كل العلاقة.

تنحنح الرجل صاحب البدلة الرمادية.

أستاذ عادل، لننهِ الأمر بسرعة. إذا كان الولد قد رأى الأوراق، يجب أن نسترجعها.

التصقت أكثر بخزانة الملفات.

كان صوت أنفاسي عاليًا أكثر مما يجب.

أدار رامي رأسه قليلًا، وكأنه كان يسمعني.

قال

لا تدخله في هذا.

رد أبي

أنت أدخلته من يوم أنجبته.

توقف العالم.

أنجبته.

في البداية لم أفهم.

أو ربما لم أرد أن أفهم.

الكلمة ضــ,,ـــــربتني مثل حجر قادم من سنوات بعيدة.

أغمض رامي عينيه.

أما أبي فابتسم.

آه لم تخبره؟ جميل. كل هذا الكلام عن الحقيقة، ونسيت أهم جزء فيها.

بدأ جسدي يرتجف.

فتح رامي عينيه.

علي لم يكن يجب أن يعرف بهذه الطريقة.

رفع أبي المسدس نحوه.

علي كان يجب أن يكبر وهو يعتقد أنه ابني. وقد كبر فعلًا.

لم أتحمل أكثر.

خرجت من خلف خزانة الملفات.

ماذا يعني هذا؟

التفت الثلاثة نحوي.

تغيّر وجه أبي فورًا.

عاد

وارتدى القناع.

يا ولدي، تعال هنا.

قلت

لا تقل لي ولدي.

خرجت الجملة قبل أن أفكر.

آلمتني وأنا أقولها.

وآلمته وهو يسمعها.

أو تظاهر بذلك.

علي، هذا الرجل يملأ رأسك بالكلام.

رفعت الملف.

وهذا أيضًا يملأ رأسي بالكلام؟

تقدم الرجل صاحب البدلة خطوة نحوي.

وقف رامي بيني وبينه.

لا تلمسه يا أستاذ سالم.

أستاذ.

لم يكن أبي مع بلطجي.

كان معه محامٍ.

وهذا أخافني أكثر.

لأن الضــ,,ـــــربات تترك آثارًا على الجسد، أما المحامون السيئون فيستطيعون إخفاء حياة كاملة بختم وتوقيع.

قال أبي بلهجة آمرة

أعطني الملف.

قلت

لا.

اشتد وجهه.

علي، أنت لا تعرف ماذا تفعل.

قلت

إذن اشرح لي.

ساد الصمت.

صرير المصنع امتزج بصوت الريح. في الخارج مرت شاحنة من الشارع، فارتد صوتها على صفائح الحديد كالرعد القديم.

تكلم رامي أولًا

أمك وأنا كنا مخطوبين قبل أن يظهر عادل.

سخر أبي

يا لها من قصة رومانسية.

لم يلتفت إليه رامي.

المصنع كان ملك جدك، الحاج عبد الرزاق الهاشمي. لم تكن هناك شركة باسم نقليات المالكي. كان اسمها نقليات الهاشمي. أمك كانت تمسك الحسابات، وأنا كنت أتابع خطوط النقل. كنا سننتقل إلى بيت واحد.

شعرت أن حلقي ينغلق.

وأبي عادل؟

قال رامي

كان يعمل عند جدك. كان سائقًا. طموحًا. ذكيًا. واستطاع أن يكسب ثقة الجميع.

ضحك أبي.

أخذت ما لم تعرفوا كيف تحافظون عليه.

شد رامي

قبــ,,ـــــضتيه.

زوّرت سندات. وحوّلت دفعات. وأدخلت الشركة في ديون مع مرابين. وعندما اكتشفك الحاج عبد الرزاق، لحقته إلى المخزن.

توقفت ابتسامة أبي.

انتبه لكلامك.

قال رامي

اعتديت عليه. تركته مرميًا قرب الشاحنات. ثم رتبت قصة السرقة. أموال اختفت. حارس مصاب. سترتي ملطخة بالدم لأنني حاولت مساعدته. وبصماتي على الصندوق لأنني كنت أعمل هناك.

تمتم المحامي سالم

رامي، لا أحد سيصدق هذا بعد كل هذه السنوات.

قال خالي

هذه المرة سيصدقون. لأن عبد الرزاق ترك نسخة من كل شيء.

بقي أبي ثابتًا.

لكنني رأيت الخوف يمر على وجهه.

صغيرًا.

سريعًا.

لكنه حقيقي.

أشار رامي إلى جدار الصور.

أبوك كان يظن أنه أتلف كل الأدلة. لكن الحاج عبد الرزاق كان يعتبرني مثل ابنه. وكان يحتفظ بنسخ داخل هذا المكتب. لم أستطع المجيء قبل ذلك لأنني كنت أعرف أن عادل يراقب المكان. وعندما خرجت من سجــ,,ـــــن الحوت، لم تكن لدي قوة كافية. وأمك

انكسر صوته.

أمك طلبت مني أن أنتظر حتى لا أعرضك للخطر.

نظرت إلى أبي.

هل كنت تعرف أنني ابن رامي؟

لم يجب.

وكان ذلك كافيًا.

وأمي أيضًا؟

خفض رامي نظره.

نعم.

وهذه آلمتني أكثر من كل شيء.

أمي.

الوحيدة التي احتضنت رامي.

التي كانت تبكي في المطبخ.

التي منعتني بيدها، لكنها أرسلتني بعينيها.

لماذا لم تخبرني؟

نظر إليّ رامي بحزن قديم.

لأن عادل هددها. قال

لها إذا تكلمت سي.ني داخل السجــ,,ـــــن، وسيأخذك منها. لم تكن تملك أوراقًا. ولا مالًا. ولا أحدًا. جدتك صدقت عادل. والجميع صدقوه.

وجه أبي المسدس نحو الأرض، لكنه

لمحة نيوز

القائمة

search

سجــ,,ـــــنوا خالي 20 سنة بتهمة السرقة… لكن الملف الأصفر كشف من هو اللص الحقيقي!

السبت 13/يونيو/2026 – 09:21 م

لمحة نيوز

الصفحة 3

لم يخفضه تمامًا.

كفى تمثيلًا. علي، أعطني الملف وتعال. أمك قلقة عليك.

سألته

هل أمي تعرف أنك هنا؟

قال

أمك تفعل ما يناسبها.

تقدم رامي خطوة.

لا تتكلم عن زينب بهذه الطريقة.

زينب.

أمي.

سماع اسمها من فم رامي كان مختلفًا.

كأنه ينطقه بحذر.

كأنه ما زال يحبها.

لاحظ أبي ذلك.

جميل جدًا. بعد عشرين سنة وما زلت تتعلق بزوجتي.

اندفع رامي نحوه.

حدث كل شيء بسرعة.

صرخ المحامي.

رفع أبي المسدس.

ركضت.

لا أعرف هل أردت إيقافهما أم إنقاذ الملف.

دوّى صوت الطلقة داخل المكتب كأن المصنع كله انفجر.

شعرت بطنين في أذني.

وسقط رامي على ركبتيه.

صرخت

لا!

لم تصبه الرصاصة في صدـ,,ـــره.

لكنها جرحت كتفه، ومزقت القماش والجلد.

بقي أبي متجمدًا، كأنه هو نفسه لم يصدق أنه أطلق النــ,,ـــــار.

استغليت تلك اللحظة.

أمسكت مفتاحًا حديديًا من فوق المكتب ورميته نحو ذراعه.

سقط المسدس.

نهض رامي وهو يئن، ودفعه نحو الحائط.

حاول المحامي سالم الهرب.

لكنه لم يصل بعيدًا.

عند باب المكتب ظهرت شخصان.

أمي.

وخلفها امرأة ترتدي بدلة داكنة، وعلى صدـ,,ـــرها بطاقة تعريف.

قالت المرأة

من هيئة النزاهة والادعاء العام. لا أحد يتحرك.

اصفر وجه أبي.

زينب

لم تنظر إليه أمي كزوج.

نظرت إليه كما ينظر الإنسان إلى دين قديم جاء وقت سداده أخيرًا.

قالت

انتهى الأمر يا عادل.

دخل خلفها شرطيان.

واحد رفع المسدس من الأرض.

والآخر أمسك

بالمحامي.

بدأ أبي يصرخ أن هذه مؤامرة، وأن رامي مجرم، وأن الجميع فقدوا عقولهم.

لكن المرأة التي جاءت مع أمي كانت تحمل هاتفًا في يدها.

قالت

لدينا تسجيل صوتي منذ لحظة دخولك. السيدة زينب كانت تسجل كل شيء.

نظرت إلى أمي.

كانت ترتجف.

لكنها بقيت واقفة.

قلت

أمي

امتلأت عيناها بالدموع.

سامحني يا علي.

كنت أريد أن أحتضنها.

وكنت أريد أن أصرخ في وجهها.

والشعوران معًا كانا يمزقانني.

استند رامي إلى المكتب وكتفه ينزف.

زينب، لماذا جئتِ؟

قالت

لأنهم أخذوا منكم أكثر مما يجب.

كانت تكرر كلمته في المطبخ.

حاول أبي الاقتراب منها.

زينب، فكري في العائلة.

ضحكت ضحكة حزينة.

هذا ما فعلته عشرين سنة. فكرت في العائلة كثيرًا حتى تركت ابني ينادي الرجل الذي دمر عائلته باسم أبي.

تم تقييد عادل المالكي في نفس المكتب الذي خبأ فيه الصور، والأكاذيب، ودليل حياتي.

لم يخرج صامتًا.

نظر إليّ وهم يسحبونه.

من دوني أنت لا شيء يا علي.

رد رامي قبلي

من دونك، أخيرًا سيصبح نفسه.

بقيت تلك الجملة محفورة في داخلي.

تلك الليلة لم نعد إلى البيت مباشرة.

ذهبنا إلى الدائرة المختصة بالتحقيق.

ساعات.

إفادات.

قهوة سيئة.

ورقة بعد ورقة.

سلّمت الملف الأصفر.

راجعت المحققة، وهي امرأة اسمها رباب اللعيبي، شهادة الميلاد الأصلية، ونسخ سندات الملكية، والصور، ووثائق التأمين، والإيداعات، ورسائل جدي عبد

الرزاق، ووثيقة جعلت أنفاسي تتوقف.

فحص نسب قديم.

رامي الهاشمي.

الاحتمال 99 99.

جلست أمي بجانبي.

قالت

كنت سأخبرك عندما تبلغ الثامنة عشرة.

سألتها

لماذا ليس قبل ذلك؟

بكت.

لأنني كنت خائفة.

منه؟

من أن أفقدك.

لم أعرف ماذا أقول.

لأن جزءًا مني كان غاضبًا.

وجزءًا آخر كان يرى امرأة مكسورة، باعت خاتمها لتشتري الخبز، وعاشت مع رجل هددها سنوات، وحمت الحقيقة بجسدها.

سألتها

هل كنتِ تحبين رامي؟

أغمضت عينيها.

لم أتوقف عن حبه يومًا.

كان رامي جالسًا على كرسي في آخر الغرفة، وكتفه ملفوف بضماد وضعه له مسعف. لم يكن ينظر إلينا. وكأنه لا يريد أن يسرق من أمي تلك اللحظة.

سألت

إذن لماذا تزوجتِ عادل؟

قالت

لأنهم عندما أدخلوا رامي السجــ,,ـــــن، كنت حاملًا بك. قال عادل إنني إذا لم أتزوجه، سيقول إنني شاركت في السرقة. وإنك ستولد بسمعة ملوثة. وإن رامي سيمــ,,ـــــوت داخل السجــ,,ـــــن. وأنا كنت صغيرة يا علي. كنت خائفة. والجميع كانوا يقولون إن عادل ينقذني.

قلت

لكنه لم يكن يحبني.

أمسكت أمي يدي.

كان يريد امتلاك كل ما كان لرامي. المصنع. البيت. أنا. وأنت.

شعرت بالقرف.

ليس منها.

بل من الحياة كلها التي بُنيت فوقي.

لم نفقد البيت.

كان هذا أول شيء تغيّر.

مع وثائق المصنع وأدلة التزوير، أوقفت الجهات المختصة إجراءات الحجز المرتبطة بالديون التي استخدمها عادل لإغراقنا. والورشة أيضًا دخلت في التحقيق.

كثير من التواقيع لم تكن توقيع أمي. وبعضها تم تحت الضغط.

أوقف البنك الحجز.

ليس بدافع الرحمة.

بل خوفًا من أن يصبح طرفًا في قضية وثائق مزورة.

أحيانًا لا تأتي العدالة لأنها تهتم بك.

أحيانًا تأتي لأن أحدهم لا يريد أن يتلوث اسمه.

لكنها جاءت.

لم يعد رامي إلى الغرفة المعدنية.

أدخلته أمي إلى الصالة.

أعدت له شوربة دجاج، وبدلت الضماد بيدين كانتا ترتجفان كثيرًا، حتى اضطر هو أن يمسك أصابعها بهدوء.

لم يعد أبي في البيت.

ولم ينم هناك مرة أخرى.

شعر بيتنا في بغداد بالغرابة من دون صراخه.

في البداية كان الصمت مخيفًا.

ثم أصبح هواءً.

عدت إلى الدراسة المفتوحة.

لم يكن الأمر سهلًا.

العمل في حمل البضائع في الشورجة جعل ظهري قاسيًا وصبري قصيرًا. لكن رامي كان يجلس معي في الليل ومعه ترمس شاي، يرافقني وأنا أدرس الرياضيات.

كان يقول

أنا لا أفهم كثيرًا في هذه الأمور لكن أستطيع أن أجلس ولا أزعجك.

لم يكن يزعجني.

وجوده كان يعيد ترتيب شيء داخلي كنت لا أعرف أنه مكسور.

وفي إحدى الليالي سألته

لماذا لم تقاتل من أجلي؟

سكت طويلًا.

ثم قال

لأنني من داخل السجــ,,ـــــن كنت أرى أن كل شيء ألمسه يتلوث. عادل كان لديه شرطة، ومحامون، وعائلة. أما أنا فكان عندي بدلة سجــ,,ـــــن ورقم. لو صرخت وقلت إنك ابني، كان سيستخدمك ليعاقب أمك.

قلت

لكنك خرجت، ولم تقل شيئًا أيضًا.

قال

لأنك كنت تنظر إليّ

كلص.

آلمتني الجملة.

قلت

كنت طفلًا.

قال

لذلك انتظرت.

سألته

ألم تغضب؟

ابتسم بحزن.

كل يوم. لكن الغضب لا يستطيع أن يربي بدلًا عني. كان يجب أن أصل حيًا إلى

لمحة نيوز

القائمة

search

سجــ,,ـــــنوا خالي 20 سنة بتهمة السرقة… لكن الملف الأصفر كشف من هو اللص الحقيقي!

السبت 13/يونيو/2026 – 09:21 م

لمحة نيوز

اللحظة الصحيحة.

لم أحتضنه تلك الليلة.

لكنني قربت كأسي من كأسه.

كانت طريقتي المرتبكة للبدء.

استمرت محاكمة عادل سنوات.

كما يحدث دائمًا حين تختلط الأموال القديمة، والتواقيع المشبوهة، والمــ,,ـــــوتى الذين لا يستطيعون الشهادة.

ظهرت أمور أسوأ.

الحارس الذي كان في المخزن لم يمت كما كانت العائلة تقول. لكنه بقي بعاهة، وانتقل إلى محافظة أخرى. عثروا عليه. وشهد أنه رأى عادل يخرج من مكتب الحاج عبد الرزاق ليلة السرقة.

وظهرت أيضًا سكرتيرة قديمة كانت تعمل في نقليات الهاشمي. احتفظت بنسخ من الوثائق لأن الحاج عبد الرزاق طلب منها ذلك إذا شمّت رائحة خطأ.

وكانت رائحة الخطأ موجودة منذ عقود.

حاول المحامي سالم المساومة.

قال إنه كان ينفذ الأوامر فقط.

وسلّم أسماء.

كتاب عدل.

مرابون.

ضابط متقاعد.

الكذبة التي أدخلت رامي السجــ,,ـــــن لم تكن حجرًا.

كانت جدارًا.

وكان يجب إسقاطه طوبة طوبة.

ماتت جدتي قبل أن تطلب السماح منه.

هذا آلم أمي.

وآلم رامي أكثر، رغم أنه لم يقل.

في مجلس العزاء، اقترب بعض الأقارب بوجوه مذنبة.

قالوا

نحن لم نكن نعرف.

لم يرد رامي.

لكن أمي ردت

لم تعرفوا لأنكم لم تريدوا أن تعرفوا.

لم يجادل أحد.

هناك حقائق تأتي متأخرة، لكنها تصل بقوة تكفي لإسكات عائلة كاملة.

أُعلن براءة رامي من التهم الأساسية بعد وقت طويل.

طويل جدًا.

أعطوه ورقة.

واعتذارًا رسميًا باردًا.

ولا شيء من ذلك أعاد له سنوات السجــ,,ـــــن، ولا أسنانه التي خسرها، ولا ظهره المنحني، ولا أعياد ميلادي التي رآها من بعيد.

وعندما خرج من المحكمة، أراد بعض الصحفيين التحدث

معه.

سأله أحدهم

ماذا تشعر بعد استعادة براءتك أمام الناس؟

نظر إليه رامي.

البراءة أمام الناس لا تعوض عشرين سنة من الصمت.

ثم سار نحوي.

كنت قد بلغت الثانية والعشرين.

كنت أدرس القانون في جامعة حكومية، بمنحة صغيرة، وأعمل بعد الظهر، وأحمل غضبًا تعلمت أن أحوله إلى قراءة.

قال لي ساخرًا

أستاذ علي الهاشمي.

قلت

ليس بعد.

قال

لكنك ستصبح.

في ذلك اليوم احتضنته لأول مرة كأب.

لا كخال.

ولا كرجل مسكــ,,ـــــين اتهم ظلــ,,ـــــمًا.

بل كأب.

تجمد في البداية.

ثم انكسر.

بكى على كتفي في الشارع، أمام الكاميرات والمحامين وباعة الشاي.

لم أشعر بالخجل.

لينظروا.

ليَروا كيف يحاول لقب مسروق أن يعود إلى مكانه.

تم تصحيح قيدي الرسمي بعد سنوات.

لم أمسح اسم علي المالكي بالكامل.

كان ذلك الاسم طفولتي، حتى لو بُني فوق كذبة.

لكنني أضفت ما سُرق مني.

علي رامي الهاشمي.

يوم وقّعت، بكت أمي.

أما رامي فلم يبكِ.

اكتفى بلمس الورقة بإصبعين.

وقال

جدك عبد الرزاق كان يتمنى أن يرى هذا.

لم يعد مصنع أطراف بغداد كما كان.

كان متهالكًا جدًا.

لكننا استعدنا الأرض.

بعنا جزءًا منها لسداد الديون الحقيقية، واحتفظنا بجزء آخر افتتحنا فيه ورشة صغيرة لإصلاح شاحنات النقل.

لم تكن كبيرة.

ولم تكن فاخرة.

لكن كان لها لافتة جديدة

نقليات الهاشمي.

أول مرة علقناها، بقي رامي ينظر إليها أكثر من نصف ساعة.

سألته

هل هي مستقيمة؟

قال

لا.

قلت

أعدلها؟

قال

اتركها. هكذا تبدو عنيدة.

ضحكت أمي.

وكانت تلك الضحكة انتصارًا.

صغيرًا.

لكنه لنا.

انتهى عادل المالكي مدانًا بعدة جرائم.

ليس كلها.

فالعدالة

غالبًا لا تصل إلى الحقيقة كاملة.

لكنها وصلت إلى ما يكفي ليخرج من صورة الرجل المحترم ويتحول إلى ملف، ورقم، وحكم.

في إحدى المرات طلب رؤيتي.

ذهبت.

لا أعرف لماذا.

ربما لأغلق شيئًا.

كان أنحف، وشعره أبيض، لكن عينيه ما زالتا تحملان ذلك الغرور الذي لا يتعلم حتى خلف القضبان.

قال

علي أنا من رباك.

قلت

أنت استخدمتني.

قال

أعطيتك لقبي.

قلت

وسرقت لقبي الحقيقي.

شد فكه.

رامي لم يكن يستطيع أن يعطيك شيئًا.

فكرت في رامي وهو يجلس إلى جانبي بالشاي وأنا أدرس.

وفي حذائه المهترئ وهو يخرج من سجــ,,ـــــن الحوت.

وفي صمته كي يحميني.

وفي الورشة المفتوحة بلافتتها المائلة.

قلت

أعطاني الحقيقة. متأخرة، لكنه أعطاني إياها.

نظر عادل إلى الأرض.

وقفت عندها.

لا. أمي نجت منك.

وغادرت من دون وداع.

اليوم عمري ثلاثون عامًا.

أنا محامٍ.

لم أصبح غنيًا.

ولا أظهر في التلفزيون.

أعمل مع عائلات تأتي وهي تحمل أوراقًا مزورة، وبيوتًا مهددة، ومواريث مسروقة، وحقائق مخبأة في صناديق قديمة.

وفي كل مرة يقول لي أحدهم لا أملك دليلًا فقط أملك ذاكرة، أتذكر ذلك المكتب في المصنع، والصور المعلقة على الجدار، والملف الأصفر، والورقة المثبتة خلف صورتي وأنا رضيع.

إذا سأل الطفل يومًا أخبروه أن رامي هو السارق.

الطفل سأل.

واضطر الجميع أن يجيبوا.

أمي تعيش أخيرًا بهدوء.

ليس هدوءًا كاملًا.

فهناك آلام تبقى جالسة في الصالة حتى بعد أن تتوقف عن الصراخ. لكنها الآن تزرع نباتات داخل علب طلاء قديمة، وتوبخ رامي لأنه يترك أدواته فوق الطاولة.

كبر رامي فجأة عندما توقف عن القتال.

أو ربما حصل أخيرًا على إذن بالتعب.

أحيانًا يجلس أمام الورشة، ينظر إلى الشاحنات وهي تمر، ويقول لي

لم أرد يومًا أن تحمل قصتي.

أجيبه

أنا لا أحملها. أنا أستخدمها.

وهذا ما أفعله.

أستخدم قصته كي أسمع الناس بشكل أفضل.

كي لا أصدق دائمًا من يرتدي البدلة.

وكي لا أحتقر من يخرج من السجــ,,ـــــن بحذاء ممزق.

وكي أسأل مرتين قبل أن أنادي إنسانًا لصًا، بينما لم يحصل يومًا على فرصة ليدافع عن نفسه.

في الليلة التي كنا سنفقد فيها بيتنا، قال خالي فقط

تعال، سأريك لماذا دخلت السجــ,,ـــــن.

ظننت أنه سيُريني جريمة.

لكنه أراني عائلة بُنيت فوق جريمة.

أراني أن أبي لم يكن أبي.

وأن أمي لم تكن جبانة، بل امرأة محاصرة فعلت الشيء الوحيد الذي استطاعت فعله وهي تحمل الخوف فوق كتفيها.

وأن أبي الحقيقي لم يكن لصًا، بل رجلًا قبل أن يكون مكروهًا حتى أبقى أنا حيًا وقريبًا من أمي.

وأن البيت لا يُنقذ فقط بدفع دين.

أحيانًا يُنقذ بفتح باب مغلق، وإضاءة مصباح قديم، والنظر مباشرة إلى الصور التي فضّل الجميع تركها في الظلام.

لسنوات طويلة، أغلقت

العائلة الباب في وجه رامي.

وكانت أمي الوحيدة التي احتضنته.

والآن فهمت لماذا.

لأنها لم تكن تحتضن مذنبًا.

كانت تحتضن الرجل الذي حمل ذنب الجميع حتى يكبر طفل، أنا، من دون أن يعرف أنه وُلد أصلًا وسط حرب.

استغرقت سنوات حتى ناديته أبي.

وهو لم يطلبها مني أبدًا.

وربما لهذا السبب، في أول مرة قلتها، وضع يده على صدـ,,ـــره كأن أحدًا نزع أخيرًا الرصاصة التي لم تُطلق عليه يومًا، لكنها كانت مغروسة فيه منذ سجــ,,ـــــن الحوت.

قلت له

أبي.

ورامي الهاشمي، لص القصة العائلية، والسجين، ورجل الغرفة المعدنية، والذي بصق الجميع على اسمه من دون أن يسمعوه

بكى كإنسان بريء فتح له أحدهم الباب أخيرًا.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
46