بعد تلات سنين

ض*ربت جرس الباب وأنا قلبي بيدق بعنف.

ثواني وعدت كأنها ساعات.

وفجأة الباب اتفتح…

واتجمدت مكاني.

اللي فتحت الباب كانت ندى نفسها.

بس مش ندى اللي أعرفها.

كانت لابسة إسدال بسيط، وشها هادي بشكل غريب، وعينيها فيها راحة عمرى ما شوفتها فيها وهي معايا.

بصتلي ثانيتين…

ولا اتفاجئت.

ولا ارتبكت.

ولا حتى سألت أنا إزاي عرفت مكانها.

قالت بهدوء:

“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”

اتلخبطت.

كل الكلام اللي كنت محضره طار.

فضلت أبص لها وأنا مش مستوعب.

قلت:

“فين الراجل؟”

رفعت حاجبها باستغراب.

“راجل مين؟”

“اللي رد على تليفونك.”

فجأة ابتسمت لأول مرة.

وقالت:

“أخويا خالد.”

حسيت وكأن جبل كان فوق صدري واتشال.

لكن كبريائي منعني أبين أي حاجة.

قلت بسرعة:

“والعيال؟”

قبل ما ترد…

جالي صوت طفل صغير من جوه البيت:

“مامااااااا!”

وبعدين صوت بنت:

“ماما تعالي شوفي فارس!”

ندى بعدت من الباب وقالت:

“ادخل.”

دخلت.

وأول ما دخلت الصالة…

وقفت الدنيا.

ولد صغير كان واقف فوق الكنبة بيحاول يركب عربية لعبة.

وبنت قاعدة على السجادة بترسم.

أول ما الولد بصلي…

حسيت إني ببص لنفسي وأنا عندي سنتين.

نفس العينين.

نفس الحواجب.

نفس الطريقة اللي واقف بيها.

أما البنت…

فكانت نسخة مصغرة من ندى.

فضلت واقف أبص عليهم.

وفجأة الولد سأل:

“مين ده يا ماما؟”

ندى سكتت.

وبصتلي.

واضح إنها كانت مستنية أقول أنا مين.

لكن لساني اتربط.

بعد لحظة قالت:

“ده… شريف.”

الولد هز كتفه ورجع للعب.

أما البنت فابتسمت وقالت:

“أهلاً يا شريف.”

الكلمة نزلت على قلبي زي السكين.

مش بابا.

مش حتى عمو.

شريف.

اسمي مجرد.

زي أي غريب داخل البيت.

قعدت على الكرسي وأنا حاسس إني مخنوق.

بصيت لندى.

“ليه ما قولتيليش؟”

ضحكت ضحكة موجوعة.

“وأقولك إيه؟”

“إنك حامل.”

“ولما كنت بحاول أقولك كنت بتقفل الباب في وشي.”

سكت.

كملت:

“فاكر يوم اختبار الحمل؟”

هزيت راسي.

قالت:

“أنا كنت جاية أقولك إنك هتبقى أب.”

بلعت ريقي.

ندى كملت:

“فاكر لما طلبت منك تيجي معايا للدكتور؟”

“آه.”

“كنت رايحة أسمع نبض ولادك لأول مرة.”

نزلت عيني للأرض.

أول مرة في حياتي أحس إني صغير بالشكل ده.

ندى سابت الأطفال يلعبوا وقعدت قدامي.

وقالت:

“بعد الطلاق بأسبوعين عرفت إني حامل في تؤام.”

“ليه مخبيتيش عليا؟”

ضحكت بسخرية.

“أنت فاكر إني ما حاولتش؟”

وقامت جابت ملف قديم.

فتحته قدامي.

لقيت عشرات الرسائل المطبوعة.

إيميلات.

خطابات.

حتى جواب بخط إيدها.

كلهم مرسلين لشركتي.

ولا واحد وصلني.

اتجمدت.

“مين عمل كده؟”

ندى بصتلي.

“أمك.”

كأن حد ض*ربني على دماغي.

ندى قالت:

“كنت كل مرة أبعت خبر الحمل.”

“كانت هي اللي تستلم.”

“وتقوللي: ابني مش عايز يعرف عنك حاجة.”

“وبعدين تهددني لو قربت منه.”

افتكرت فجأة.

كل مرة أمي كانت تقول:

“ندى ارتاحت منك.”

“ندى سافرت واتخطبت.”

“ندى مش عايزة تشوفك.”

وأنا كنت أصدق.

لأن ده اللي يناسب غروري.

الليلة دي طولت.

سمعت منها كل حاجة.

إزاي اشتغلت مدرسة.

إزاي باعت دهبها.

إزاي ولدت لوحدها.

إزاي كانت بتصحى كل ساعتين مع طفلين.

إزاي كانت بتعيط في الحمام عشان محدش يشوفها.

وفي الآخر قالت:

“بس الحمد لله.”

“ربنا عوضني.”

بصيت حوالي.

البيت صغير.

متواضع.

لكن فيه دفا.

حاجة عمرها ما كانت موجودة في قصري الكبير.

وأنا خارج.

الولد جري ورايا فجأة.

وقف قدامي.

وبصلي.

وقال:

“هتيجي تاني؟”

قلبي وقع.

ركعت على ركبتي.

وقلت:

“لو تسمحلي.”

الولد ابتسم.

وقال:

“تمام.”

ورجع يجري.

خرجت من البيت وأنا أول مرة أحس بثقل ذنوبي كلها.

لكن القصة مخلصتش.

تاني يوم رجعت.

وبعده رجعت.

وبعده كمان.

شهرين كاملين وأنا بس بحاول أتعرف على ولادي.

من غير ما أفرض نفسي.

من غير ما أقول أنا أبوكم.

لحد يوم…

فارس وقع واتعور.

جري عليا أنا.

مش على أي حد تاني.

ح*ضن رجلي وهو بيعيط.

وقال تلقائيًا:

“بابا.”

الدنيا وقفت.

الكلمة اللي استنيتها تلات سنين خرجت منه من غير ما حد يعلمه.

بصيت لندى.

لقيت الدموع مالية عينيها.

بعد سنة كاملة…

كنت اتغيرت.

بعت جزء من شركاتي.

قللت شغلي.

بدأت أعيش.

مش أجري ورا الفلوس.

وفي يوم أخدت أمي وروحت لندى.

أمي كانت فاكرة إني رايح أطلب منها تسامحني.

لكن أول ما شافت الولد والبنت…

انهارت.

قعدت على الأرض تعيط.

لأنها عرفت إن كل حاجة عملتها رجعت عليها.

وطلبت السماح من ندى.

وندى سامحتها.

مش عشان تستاهل.

لكن عشان قلبها كان أنضف من كلنا.

وبعد سنتين…

في نفس اليوم اللي اتطلقنا فيه.

وقفت أنا وندى قدام المأذون مرة تانية.

بس المرة دي.

فارس كان ماسك إيدي اليمين.

ولين ماسكة إيدي الشمال.

ولما المأذون سألني:

“موافق يا أستاذ شريف؟”

بصيت لندى.

وقلت:

“المرة دي… موافق بقلبى كله.”

وانتهت القصة بعدما فهم شريف متأخرًا أن أكبر خسارة في حياته لم تكن زوجته ولا أولاده… بل السنوات التي ضاعت منه وهو يظن أن المال والكبرياء أهم من الناس الذين أحبوه بصدق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0