مكالمة ابني كاملة

خد الكارت ومشاه على مكنة ال POS.

المكنة طلعت صوت صرخة حادة العملية مرفوضة.

حازم كشر جرب تاني يا كابتن.

الويتر جرب تاني.. اللمبة الحمرا نورت برضه.

في نفس اللحظة.. تليفون حازم بدأ يزمر ورا بعضه برسايل البنك

عزيزي العميل، نود إحاطتكم بنقص رصيد حسابكم الجاري لسداد قسط التمويل العقاري البالغ 7500 جنيه.

تنبيه نظراً لوجود خطر تعثر ائتماني، تم إيقاف وتجميد بطاقتكم الائتمانية مؤقتاً.

وش حازم خطف ولونه بقى زي الليمونة بس مكانش يعرف ان اللي جاي اسوء الف مره …..

وش حازم خطف ولونه بقى زي الليمونة، بس مكانش يعرف إن اللي جاي أسوأ ألف مرة.. وقف في نص المطعم والدم هرب من عروقه، والويتر واقف مستني، ونظرات الزباين حواليه بدأت تلاحقه.

نهى مراته بصلته باستغراب وهي بتقدم جسمها لقدام في إيه يا حازم؟ مالك تنحت كده ليه؟ خلصنا عشان نلحق السينما.

حازم بلع ريقه بصعوبة، وصوابعه بترعش وهو بيقلب في الرسايل اللي نازلة فوق دماغه زي الدش البارد. الرسالة التانية كانت من البنك برضه تم حظر بطاقات الدفع الخاصة بكم، يرجى سداد الأقساط المتأخرة والغرامة المستحقة في خلال 48 ساعة لتجنب الإجراءات القانونية.. غرامة؟ أقساط متأخرة؟ هو في إيه؟! هو مش أمي كانت بتدفع؟

الويتر كرر كلامه بنبرة

مهذبة بس فيها حسم يا فندم، المكنة رافضة الكارت بالكامل، تحب حضرتك تدفع كاش ولا بفيزا تانية؟

حازم فتح المحفظة بإيد ترجف، ملقاش فيها غير متين جنيه فكة.. بص لنهى وقالها بصوت مخنوق نهى.. هاتي الفيزا بتاعتك، الحساب طلع بره الحسبة شوية.

نهى لوت بوزها وطلعت كارتها وهي بتنفخ اتفضل.. بس ياريت تحولهم لي أول ما تروح عشان دي فلوس الجمعية.

دفعوا الحساب وخرجوا، وطول الطريق في العربية حازم ساكت، وعينه مشققة على الشارع، ودماغه بتلف زي الساقية. أول ما وصلوا شقتهم الجديدة في حدائق الأهرام، نهى رمت شنطتها على الكنبة وقالت بدلع أوف.. الجو بره خانق، هقوم أغير وألبس حاجة خفيفة عشان أخد راحتي في شقتي بقى.

الكلمة نزلت على ودن حازم زي المرزبة.. أخد راحتي في شقتي.. الشقة اللي فجأة اكتشف إن سقفها مهدد بالهدد فوق دماغهم.

دخل حازم البلكونة بسرعة، وطلب رقم أمه. التليفون فضل يرن.. يرن.. لحد ما السكة قفلت. طلب تاني.. وتالت.. مفيش رد.

ساعتها كلم خدمة عملاء البنك، وبعد ربع ساعة انتظار على الخط، رد عليه الموظف. حازم زعق يعني إيه الكارت واقف؟ ويعني إيه عليا أقساط متأخرة؟ أنا الحساب بتاعي بينزل فيه المرتب كامل!

الموظف رد ببرود يا فندم، الحساب الجاري بتاع حضرتك كان مربوط بأمر دفع

مستديم جاي من حساب تاني خالص، الحساب التاني ده لغى التحويل التلقائي النهاردة الساعة 8 بالليل. وحضرتك حسابك الحالي مكنش فيه رصيد يغطي قسط الشقة اللي اتسحب فوراً، فالبنك حجز على المرتب كله عشان يسد العجز، وفاضل عليك كمان غرامة تأخير 1200 جنيه لازم تدفعها فوراً وإلا الشقة هتدخل في إجراءات الحجز القانوني لأن ده تمويل عقاري مش قرض عادي.

حازم حس إن الحيطة بتميل عليه.. الحساب التاني؟ حساب أمه!

هو كان فاهم إن أمه ساعدته في الأول بس، مكانش يعرف إنها لسه شايلة الحمل كله عن كتفه لحد النهاردة.

في نفس الوقت، في شقة المنيل..

كنت قاعدة على الكنبة، مشغلة الراديو على إذاعة أم كلثوم وهي بتغني للحب قيود. كنت بشرب كوباية شاي بالنعناع بروقان بقالي سنين مادقتهوش. التليفون كان بينور على التربيزة باسم حبيبي حازم.. بصيت له وابتسمت ابتسامة باردة، ومفتحتش الخط. قلب الأم اللي جوة صدري كان اتقفل بالضبة والمفتاح، مش قسوة، لكن كرامة. الست اللي اتداس عليها عشان تطلع راجل، مش هتقبل تعيش الباقي من عمرها عزول في حياة ابنها.

شلت التليفون وعملت للرقم صامت. وقمت عشان أنام نومة هادية، مفيش ورايا فيها هم قسط ولا حسابات جمعية ولا جري في الأسواق عشان أوفر قرشين للي ما يطمرش فيهم.

تاني

يوم الصبح، يوم السبت..

الساعة كانت تسعة الصبح لما الباب خبط برزع قوي وعنيف. قمت براحة، لبست إسدالي وفتحت الباب.

كان حازم.. وشه شاحب، وعينه حمرا من قلة النوم، وهدومه مبهدلة.

كان حازم.. وشه شاحب، وعينه حمرا من قلة النوم، وهدومه مبهدلة.

أول ما شافني، دخل الشقة من غير ما يستأذن وزعق أمي! إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ أنتِ لغيتي قسط الشقة؟ البنك حجز على مرتيبي كله! مش عارف أمشي أموري ولا عارف أدفع قرش واحد! أنتِ عايزة تخربي بيتي؟ عشان كلمتين قلتهم لك تضيعي مستقبلي؟

وقفت مكاني، ساندة إيدي على ضهر الكرسي، وبصيت له من فوق لتحت بنظرة خالية من أي لهفة أمومة.

وقلت له بهدوء وثبات وطي صوتك وأنت بتتكلم معايا يا حازم.. البيت ده بيت أبوك، والصوت العالي ملوش مكان هنا.

حازم اتصدم من برودي، صوته هدي شوية بس فيه كسرة يا أمي.. أنا ابنك، حتة منك.. تعملي فيا كده؟ عشان خاطر مراتي قالت كلمة؟ أنا كنت بصلح الموقف بينكم بس!

ضحكت ضحكة خفيفة، فيها وجع السنين كله بتصلح الموقف؟ لما تقولي ما تجيش بيتي تاني عشان مراتك تاخد راحتها بقميص النوم، يبقى بتصلح الموقف؟ لما تستخسر فيا أدخل عليك بلقمة نضيفة تعبت فيها ودبحاها بإيدي عشان أغذيك، وتقولي ريحة الزفر والتقلية بتخنقها، يبقى بتصلح؟

نزلت

نظارتي وبصيت في عينه مباشرة

لمحة نيوز

القائمة

search

مكالمة ابني كاملة

الأحد 14/يونيو/2026 – 05:59 م

لمحة نيوز

أنا مش زعلانة يا حازم.. أنا فوقت. الشقة الجديدة اللي أنت عايش فيها بالطول والعرض، وبتفرقع صوابعك للويتر في المطاعم الغالية عشان تدفع آلاف الجنيهات، الشقة دي أنا اللي كنت بدفع قسطها. 7500 جنيه كل شهر من لحمي الحي، من معاشي ومعاش أبوك الله يرحمه. كنت بوفره من لقمة بقي عشان أشوفك راجل مستور في بيتك.. لكن لما الراجل المستور ده ينسى مين اللي ستره، ويبخل على أمه بكلمة حلوة ويطردها بأسلوب شيك.. يبقى يشيل شيلته بنفسه.

حازم قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه أنا مكانش عندي فكرة إنك لسه بتدفعي.. كنت فاكر الموضوع خلص من زمان.. أنا أسف يا أمي، حقك عليا.. بس الحقي بيا، البنك هيحجز على الشقة لو المدفوعات كملت شهرين من غير سداد، ونهى لو عرفت إني مش حلتي حاجة وأمي هي اللي كانت شيلانا، هتمشي وتسيبني.. دي لسه حامل!

لما قال جملة نهى لو عرفت هتمشي وتسيبني، حسيت بطعنة جديدة. هو مش خايف على زعلي، هو خايف على شكله قدام مراته، وخايف البيت اللي اتبنى على القش يقع.

قلت له بلهجة قاطعة زي السيف تغور الشقة، وتغور الست اللي تسيب جوزها في أزمته. الشقة شقتك، والست اختيارك، شيل بقى يا حازم. شيل كأب وراجل مسؤول، وريني هتحل مشاكلك إزاي من غير فيزا أمك.

يعني إيه يا أمي؟ مش ه تساعديني؟ قالها وهو باصص لي بقلة حيلة.

يعني إيه يا أمي؟ مش ه تساعديني؟ قالها وهو باصص لي بقلة حيلة.

لا يا حبيبي، مش هساعدك. فلوسي من النهاردة ليا.. هسافر بيها، هشتري بيها لبس، هتبرع بيها.. لكن قرش واحد يدخل جيبك وجيب مراتك تاني، مش هيحصل. والشنطة اللي كنت باجي بيها يوم

الجمعة، وفرت تمنها وتمن مواصلاتها.

قمت وقفت وفتحت باب الشقة مع السلامة يا بني.. وربنا يوفقك في حياتك الجديدة.. الشقة واسعة ومراتك هتاخد راحتها فيها على الآخر.

خرج حازم وهو بيجر رجليه وراه، مكسور ومذهول من الأم اللي اتحولت فجأة لصخرة مابتلينش.

الشهور مرت..

حازم حياته اتقلبت رأس على عقب. المرتب بقى يتخصم منه القسط وغرامات التأخير، ومبقاش يفيض معاه غير ملاليم. نهى مبقتش تلاقي فلوس الخروجات والمطاعم الغالية، وبدأت المشاكل تدب بينهم. لما عرفت إن الشقة مهددة بالحجز وإن حازم مديون للبنك، سابت البيت وغ*ضبت عند أهلها وهي في شهرها السابع، وقالت له أنا متجوزتش واحد شحات مش عارف يصرف عليا وعلى ابنه.*

حازم كان بيكلمني من وقت للتاني، صوته كان بيبقى مليان عياط وتعب، بيطلب بس الرضا والدعاء، ومبقاش يجرؤ يطلب قرش واحد. كنت برد عليه، بدعي له بالهداية والصلاح، بس من ورا الشاشة.. مبروحش، ولا ببعت قرش، ولا بفتح قلبي زي زمان.

في يوم، جارتي أم أحمد خبطت عليا يا أم حازم، سمعت إن نهى ولدت وجابت ولد زي القمر.. مش هتروحي تشوفي ابن ابنك؟

بصيت لأم أحمد وابتسمت يتربى في عز أبوه وأمه يا أم أحمد.. ربنا يبارك لهم فيه.

يعني مش هتروحي المستشفى؟

المستشفيات للناس القريبة يا حبيبتي.. وأنا برة الدايرة دي خلاص. أنا بعتّ مع حازم علبة سبوع فضة، وده واجبي كجدة.. لكن دخولي وخروجي في حياتهم انتهى.

بعد سنة كاملة من المقاطعة ووضع الحدود..

يوم الجمعة الصبح، الجو كان جميل في المنيل. كنت قاعدة في البلكونة وبشرب قهوتي، ولابسة فستان جديد ألوانه مبهجة، وكنت

بجهز نفسي عشان هسافر مع جروب رحلات تبع المعاشات لمدينة دهب.. رحلة كنت بحلم بيها من سنين وعمري ما عملتها عشان كنت بوفر القرش لحازم.

الباب خبط.

فتحت.. لقيت حازم واقف.

المرة دي مكانش جاي بزعيق، ولا بكسرة مبالغ فيها.. كان واقف وهدومه بسيطة، وشايل على كتفه طفل صغير عنده حوالي سبع شهور.

حازم بص لي وعينه دمعت صباح الخير يا أمي.. أنا مش جاي أطلب حاجة، ولا جاي أشتكي من نهى.. أنا جاي أقولك إني نقلت من حدائق الأهرام، بعت الشقة وسددت البنك، وأجرت شقة صغيرة على قدنا في الجيزة.. وجاي أوريكِ عبد الحميد الصغير.. سميته على اسم أبويا الله يرحمه.

بصيت للطفل اللي في إيده.. كان نسخة من حازم وهو صغير. عينيه الواسعة البريئة كانت بتبص لي وبتضحك.

قلبي دق دقة غريبة.. دقة الجدة اللي جوايا. بس المرة دي، الدقة كانت واعية، مش مندلقة.

تنحيت خطوة لورا وقلت له أهلاً يا حازم.. اتفضل ادخل.

دخل وقعد، وحط الولد على الكنبة. الولد بدأ يحبي ناحيتي. مديت إيدي وشيلته.. ريحته كانت جميلة، ريحة الأطفال اللي بترد الروح.

حازم قعد وقالي بصوت واطي أنا اتعلمت الدرس يا أمي.. اتعلمته بالطريقة الصعبة. الشدة اللي عشتها السنة اللي فاتت دي عرفتني إن البيوت مابتتبنيش بالمنظرة الكدابة، والست اللي متستحملش جوزها في ضيقته متلزموش.. نهى رجعت لي لما لقتني أخدت موقف وبقيت راجل بجد وبمشي بيتي بقرشي ومبركعش لحد. وأنا عرفت قيمتك وقيمة التراب اللي كنتِ بتمشي عليه.. أنا أسف على كل لحظة حسستك فيها إنك تقيلة على قلبي.

بصيت لحازم، ولقيت في عينه نظرة راجل بجد.. مش الولد المدلع

اللي أمه بتجري وراه باللقمة وبيدوس عليها عشان يرضي مراته. الضيقة نشفته، والمسؤولية كبرته.

هزيت راسي وقلت له وأنا ببوس الولد الصغير المسامح كريم يا حازم.. أنا مابكرهكش، أنت ابني وحتة من قلبي.. بس

كان لازم تفهم إن الأمومة مش شيك على بياض. الأم سند، والأبواب المفتوحة والقلوب الطيبة دي نعم من ربنا لازم تتباس وتتحط على الراس، مش تتداس بالجزم.

دموعه نزلت ومسك إيدي داس عليها وباسها عندك حق في كل كلمة.. توبتك يا أمي.. مش عايز منك غير إنك تدعي لي وتسمحي لي أجي أشوفك أنا والواد كل أسبوع.. ومش هتشوفي نهى هنا غير لو أنتِ اللي طلبتِ.

ابتسمت وقلت له تنورني يا حبيبي أنت وابنك في أي وقت.. بس الجمعة دي أنا مسافرة دهب أقضي أسبوع هناك مع صحابي.. لما أرجع، ابقى تعالى ونورني.

حازم بص لي بذهول وفرحة في نفس الوقت.. مكانش متخيل إن أمه القديمة اللي كانت قافلة على نفسها الشقة ومبتخرجش غير للسوق، بقت ست تانية بتعرف تحب نفسها وتعيش حياتها.

تروحي وترجعي بالسلامة يا ست الكل.. تتهني يارب.

مشى حازم والولد الصغير وهو حاسس إن أمه رجعت له.. بس بنسختها الجديدة.. النسخة القوية اللي بتتحب وتحترم، مش اللي بتتساب على الرف.

قفلت الباب، وبصيت لنفسي في المراية اللي في الصالة.. كنت منورة، والضحكة راجعة لوشي.

نزلت شنطتي، وأنا مقتنعة تماماً إن التربية مش بس إنك تكبّر ابنك وتأكله وتجوزه.. التربية الحقيقية إنك تعلمه إزاي يحترم اليد اللي اتمدت له، وإن التضحية لو ملقيتش تقدير، بتبقى إهانة في حق النفس.. وأنا نفسي عليا عزيزة، والحمد لله إني فوقت قبل ما

العمر يجري وميفضلش مني غير الحسرة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
450