
كدبت وقلت إني عيانة عشان أغيب عن المدرسة… ومكنتش أعرف إن الكدبة دي هتخليني أشوف جوز أمي وهو بيدس علبة حبوب جوه شنطة أختي، ويهمس النهارده البنت المثالية هتقع. وبعد الضهر، لما مدير المدرسة اتصل بأمي، فهمت هو كان بيقصد إيه… وساعتها حياتنا كلها اتقلبت.
ولما لقيت علامة الإرسال واقفة، والفيديو رافض يتبعت، حسيت إن قلبي هيقف، وما استنيتش ثانية واحدة، رفعته بسرعة على الإيميل، وبعدها بعت نسخة لصاحبتي هناء، وكتبتلها رسالة وإيديا كلها كانت بتترعش لدرجة إني غلطت في الحروف أكتر من مرة
لو جرالي أي حاجة… وصلي الفيديو ده لأمي.
وأنا بدوس على إرسال، فضلت باصة لشاشة الموبايل شوية، وساعتها لأول مرة استوعبت أنا بعمل إيه… أنا عندي تلتاشر سنة بس، وبكتب رسالة كأنها وصيتي الأخيرة، وكأن قلبي كان حاسس إن اللي جاي أكبر مني، وأخطر بكتير من إني أقدر أواجهه لوحدي.
فضلت قاعدة مكاني، كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة، أبص على باب الشقة، وأبص على الموبايل، وأدعي من كل قلبي إن أمي تشوف الفيديو قبل ما يحصل أي حاجة، لحد ما فجأة…
رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت بسرعة، وقلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامعة صوته في وداني.
جالي صوت راجل بيتكلم بمنتهى الرسمية وقال
حضرتك الأستاذة أمينة؟
قلت بسرعة
لا… أنا بنتها.
قال
بلغي والدتك تيجي
المدرسة حالًا… لقينا أقراص ممنوعة جوه شنطة الطالبة زينب.
الكلمات وقعت على وداني كأن حد خبطني بحاجة تقيلة.
ساعتها عرفت إن الخطة اشتغلت…
وإن سالم سبقنا بخطوة.
طلع صوتي من غير ما أحس
لا… أختي معملتش حاجة… أختي بريئة.
لكن الراجل رد بنفس البرود
الكلام ده يبقى قدام الإدارة… خلي والدتك تيجي.
وقفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل وببص للشاشة ثواني، كأني مستنية حد يقولي إن اللي سمعته ده غلط، أو إن في سوء تفاهم، لكن ماكنش قدامي غير حل واحد.
اتصلت بأمي تاني.
المرة دي ردت من أول رنة، وأول ما سمعت صوتها حسيت إنها عرفت من نبرة نفسي إن في مصيبة حصلت.
قالت بلهفة
مريم… مالك يا حبيبتي؟ حصل إيه؟
ماقدرتش أمسك دموعي، وقلت وأنا ببكي
يا ماما… أوعي تروحي المدرسة لوحدك… سالم هو اللي حط الحبوب في شنطة زينب… وأنا شوفته بعنيا… وصورت كل حاجة.
سكتت.
السكون اللي جه بعدها كان مرعب لدرجة إني حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
وبعدين قالت بصوت كله صدمة
إنتِ عرفتي ده إزاي؟
قلت
كنت في البيت… وشفت كل حاجة.
ولسه هكمل كلامي سمعت تلات خبطات هاديين على باب الشقة.
اتجمدت مكاني.
قلبي وقع.
قربت على أطراف صوابعي، وبصيت من العين السحرية…
واتسمرت مكاني.
كان سالم.
واقف قدام الباب، وعلى وشه نفس الابتسامة الباردة اللي شفتها وهو بيدس الحبوب
في شنطة زينب، وماسك مفاتيح الشقة في إيده، وقال بهدوء خوّفني أكتر من أي صريخ
يا مريم… افتحي يا بنتي… يلا نروح نجيب أختك.
ماقدرتش أرد.
فضلت باصة عليه من العين السحرية، وجسمي كله اتجمد.
وأمي كانت لسه على التليفون، وفجأة همست فيا، وصوتها كله خوف
مريم… إوعي تفتحي الباب… مهما حصل… إوعي تفتحي.
دي كانت آخر مرة أسمع فيها صوت أمي.
لأن قبل حتى ما ألحق أرد عليها، سمعت صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون، وساعتها حسيت إن رجليا اتحركوا لوحدهم، جريت على أوضتي، وقفلت الباب بسرعة، ورميت نفسي تحت السرير تاني… نفس المكان اللي استخبيت فيه من شوية، لكن المرة دي وأنا عارفة إنه مش جاي يفتش على حاجة… هو جاي يدور عليا أنا.
بعد ثواني…
اتفتح باب الشقة.
ودخل.
سمعت خطواته بتمشي براحة، خطوة ورا خطوة، كأنه واثق إني مش هعرف أهرب، لحد ما وقف في نص الصالة ونادى بصوت عالي
مريم… أنا عارف إنك جوه… شوفت جزمتك عند الباب.
في نفس اللحظة، الموبايل اهتز في إيدي.
كانت رسالة من زينب.
فتحتها بسرعة، ولقيتها كاتبة
سالم كان هنا من شوية في مكتب المدير، وقال إنك إنتِ اللي سرقتي الحبوب.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
حتى وأنا مستخبية في البيت…
كان بيمهد عشان يلبسني أنا التهمة.
وقبل حتى ما أستوعب اللي قريته، سمعت خطواته بتقرب من أوضتي،
وبعدها وقف قدام الباب وقال بصوت واطي، لكنه كان مليان تهديد
افتحي يا مريم… ولو ما فتحتيش، هقولهم إن كل اللي حصل كان فكرتك إنتِ.
ح.ضنت الموبايل لصدري، وبصيت على رسالة أمي اللي كانت لسه واصلالي من ثواني.
شفت الفيديو… والشرطة في الطريق.
الكلمتين دول كانوا أول حاجة ادتني أمل من ساعة ما اليوم ده بدأ.
لكنهم في نفس الوقت خلوني أعرف إن مفيش رجوع.
فجأة…
ض.رب الباب.
مرة.
وبعدين مرة تانية أقوى.
وبعدين سمعته بيقول بصوت هادي، الهدوء اللي كنت بخاف منه أكتر من أي صريخ
يا مريم… افتحي… وتعالي نتكلم بالعقل… قولي إنك فهمتي غلط… وإنك كنتِ تعبانة، وأختك أصلًا وقعت في المصيبة… بلاش تضيعي نفسك معاها.
فضلت ساكتة.
فكمل بنفس البرود
لو أمك خسرت شغلها هيكون بسببك… ولو زينب ضاع مستقبلها هيكون بسببك… أنا لسه بحاول أنقذ اللي باقي.
وساعتها فهمت حاجة عمري ما هنساها…
مش كل واحد مؤذي بيزعق.
في ناس بيتكلموا بهدوء، ويحاولوا يقنعوك إن جريمتهم هي غلطتك إنت، وإنك لو ما سمعتش كلامهم، يبقى إنت السبب في خراب كل اللي حواليك.
وفجأة…
سمعت صوت حديد بيحك في القفل.
كان بيحاول يفتح الباب.
في اللحظة دي حسيت إن الوقت بيجري أسرع مني، وإن كل ثانية بتعدي ممكن تضيع معايا الحقيقة، فمسكت الموبايل بإيديا الاتنين، وبعت الفيديو مرة تانية، وبعدها بعت نسخة للمرشدة الاجتماعية في المدرسة، وكتبت بسرعة
جوز أمي هو اللي
حط الحبوب في شنطة زينب… وأنا صورت كل اللي حصل… أرجوكم ما تصدقوش أي اتهام قبل ما تشوفوا الفيديو.
ماكنتش بفكر الناس هتقول علينا إيه.
ولا بفكر إن اسمنا ممكن يبقى على لسان البلد كلها.
كل اللي كان شاغلني إن الحقيقة توصل لأكبر عدد من الناس… لأن الحقيقة أول ما تخرج من إيد شخص واحد، بيبقى أصعب بكتير إنها تتدفن.
فضل يحاول يفتح الباب أكتر من مرة…
وفجأة…
سمعت صوت الكالون وهو بيفك.
اتجمد الدم في عروقي.
وببطء…
اتفتح باب أوضتي.
دخل سالم على مهله، كأنه عارف إنه كسب.
ومن تحت السرير، كل اللي كنت شايفاه هو جزمته السودة وهي بتقرب… تقرب… لحد ما وقفت قدام وشي.
سكت كام ثانية.
وبعدين وطّى بجسمه، وقال بصوت خشن، عمري ما سمعته بيكلم أمي بيه
اطلعي.
فضلت مكاني ولا اتحركت.
وفجأة حسيت بإيده وهي بتمتد تحت السرير، وتمسك رجلي بكل قوتها.
صرخت بكل اللي فيا.
وركلته برجلي بكل قوتي.
سمعته يشتم بصوت عالي، وإيده سابت رجلي، ورجع لورا وهو بيتأوه…
وفي نفس اللحظة…
دوّى خبط جامد على باب الشقة.
خبطة…
وراها خبطة أقوى.
وبعدين صوت راجل هز البيت كله وهو بيقول
الشرطة… افتح الباب.
في ثانية واحدة، سالم ساب رجلي.
رجع لورا خطوتين، وبص حواليه بسرعة، كأنه بيدور على أي مخرج ينقذ نفسه، لكن أول مرة أشوف الرعب في عينه بالشكل ده، لأنه فهم إن الوقت اللي كان بيلعب
فيه دور الضحية خلص.
خرج من أوضتي وهو بيجري.
وأول ما اختفى من قدام الباب، زحفت بسرعة بعيد عن السرير، وقومت وأنا جسمي كله بيرتعش، وجريت قفلت باب أوضتي بالمفتاح، وفضلت لازقة فيه وأنا بحاول آخد نفسي.
ماعدتش غير ثواني…
وسمعته بيتكلم.
لكن مش بنفس الصوت اللي كان بيهددني بيه من شوية.
لا…
رجع لصوته الهادي، الصوت اللي كان بيخدع بيه أمي طول السنين، وقال وهو بيفتح الباب
الحمد لله إنكم جيتوا… بنت مراتي تعبانة نفسيًا، ومنهارة من الصبح، وبتقول كلام مش حقيقي عشان غابت عن المدرسة النهارده، وأنا لما رجعت لقيتها قافلة على نفسها الأوضة وخفت عليها.
وقبل حتى ما ألحق أستوعب إنه قدر يغيّر وشه وصوته في ثانية…
سمعت صوت أمي.
مريم… يا حبيبتي… أنا برا… افتحي الباب… أنا مع الشرطة.
جريت ناحية الباب، ودموعي نازلة من غير ما أحس.
وقلت وأنا مخنوقة من العياط
إنتِ لوحدك؟
ردت بسرعة، وكأنها كانت مستنية السؤال
لا يا حبيبتي… أنا مع الشرطة… افتحي.
ساعتها بس…
لفيت المفتاح.
وفتحت الباب.
لقيت أمي واقفة قدامي بملابس الشغل، وطرحتها ميلة من كتر الجري، ونفسها مقطوع، ووشها أصفر كأنها جريت الطريق كله من غير ما تقف.
أول ما عينيها جت في عيني…
ح.ضنتني.
ح.ضنتني بقوة لدرجة إني حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
لكن لأول مرة…
ماكنتش عايزة تبعد.
كنت محتاجة أفضل مستخبية
في ح.ضنها شوية، وأقنع نفسي إن الكابوس ده قرب يخلص، وإن أمي فعلًا قدامي، وإني أخيرًا بقيت في أمان.
لكن سالم ما استحملش المشهد.
حاول يقرب مننا بسرعة، وقال وهو بيبص لأمي ويحاول يرجع يلبس قناع البراءة
أمينة… اسمعيني… البنات فاهمين الموضوع غلط، زينب اختلطت بناس مش كويسين، ومريم بتحاول تداري عليها.
أمي ما استنتش يكمل.
رفعت إيديها.
مش علشان تض.ربه…
لكن علشان تسكته.
وبصتله بنظرة عمري ما شوفتها في عينيها قبل كده، وقالت بصوت ثابت، ماكانش فيه خوف، ولا تردد، ولا حتى ذرة ضعف
إياك تنطق اسم بناتي مرة تانية… وكأن ليك حق فيهم.
سكت.
وأنا لأول مرة أشوف سالم مش عارف يرد.
سكت سالم.
يمكن لأول مرة من ساعة ما عرفته.
والسكون ده كان كفاية لواحد من رجال الشرطة إنه يقرب منه، ويبعده عن باب الأوضة، ويطلب منه يفضل واقف بعيد.
وأنا لسه مستخبية في حض.ن أمي، خرجنا كلنا للصالة.
إيد أمي كانت بتترعش وهي بتفتح الفيديو على موبايلها، لكن رغم رعشتها أصرت تشغله قدامهم من أوله لآخره.
فضل رجل الشرطة مركز في الشاشة من غير ما يقاطع ولا بكلمة.
الصورة كانت مهزوزة.
والنور كان ضعيف.
لكن الحقيقة ما كانتش محتاجة جودة أحسن.
القفازات كانوا واضحين.
شنطة زينب الزرقا كانت واضحة.
