كدبت وقلت إني عيانة عشان أغيب عن المدرسة

وأنا بصيت لها، وقلت بيني وبين نفسي…

في ناس كرامتها مش محتاجة تتكلم.

يكفي إنها ترفض تنكسر.

أمي غابت عن شغلها كام يوم بسبب التحقيقات والإجراءات.

لكن الحمد لله…

ما خسرتش شغلها.

الصيدلية راجعت كل السجلات، واتأكدوا إن الأقراص

دي مالهاش أي علاقة بشغل أمي.

ولما الحقيقة ظهرت…

مدير الصيدلية اعتذر لها، وقال إنه اتأكد بنفسه إن الشبهة ماكانتش في محلها.

أمي هزت راسها وقالت

مسامحاك.

ولما خرجنا، قالتلي وهي ماشية

الاعتذار ما يمسحش إنهم كانوا مستعدين يصدقوا إني حرامية من أول كلمة.

سكت.

ما عرفتش أرد.

كنت لسه صغيرة…

لكن فهمت إن الظلم حتى لو اتكشف…

بيسيب وجع جوه القلب.

سالم فضل يحاول يوصل لنا.

كل مرة من رقم مختلف.

مرة يشتم.

ومرة يترجى.

ومرة يهدد.

ويقول إن أمي هي اللي خربت حياته.

وإن زينب بنت جاحدة.

وإني كذابة.

وفي مرة بعت رسالة صوتية وهو بيعيط.

بيقول إنه مشتاقلنا…

وإن الأمور خرجت من إيده.

أمي سمعتها للآخر.

وبعدين حفظتها مع باقي الرسائل، وسلمتها للمحقق علشان تتضاف لملف القضية.

وقالت بهدوء

الندم الحقيقي غير الكلام… واللي يؤذي أهله ما يرجعش بكلمتين.

فضلنا عند ستي كام أسبوع.

وهناك…

زينب كانت تقعد تذاكر معايا كل يوم.

وتشرحلي الرياضيات بأسهل طريقة لحد ما بدأت أفهم.

ولما جه امتحان الدور التاني…

دخلته.

المرة الأولى ما نجحتش.

لكن في المرة التانية…

نجحت.

ولما رجعت قلت لأمي…

ح.ضنتني بقوة.

وكأني رجعت لها أغلى حاجة في الدنيا.

وقالت وهي بتبتسم

إوعي تعملي نفسكِ تعبانة تاني يا مريم.

ابتسمت وأنا بمسح دموعي، وقلت

وعد.

بصتلي وقالت وهي بتحاول تبتسم

حتى لو كنتِ فاكرة إن ده هينقذ العيلة.

ضحكت وقلت

حتى لو هينقذ العيلة.

ضحكنا إحنا الاتنين.

وكانت أول ضحكة نضحكها من قلبنا من غير خوف…

ولا وجع…

ولا إحساس بالذنب.

وبعد ما اتأكدت أمي إن سالم مبقاش يقدر يقرب من البيت…

رجعنا شقتنا.

غيرت كالون الباب.

وغيرت

كل المفاتيح.

واسترجعت أي نسخة كانت مديّاها لأي حد قبل كده.

وقالت

الثقة لما تتكسر… مش بترجع بسهولة.

أنا رتبت أوضتي من أول وجديد.

وزينب شالت كل الكشاكيل والورق اللي سالم كان قلب فيه.

ورمينا الشنطة الزرقا.

ولما جيت أنضف تحت السرير…

بصيت للمكان اللي استخبيت فيه يومها.

كان لسه فيه تراب، واستيكة شعر قديمة، وآثار اليوم اللي حياتي كلها اتغيرت فيه.

وقفت أبص للمكان شوية.

ما حسيتش إني بطلة.

ولا حسيت بالفخر.

حسيت بالحزن.

لأن مفيش طفل المفروض يتعلم الشجاعة وهو مستخبي تحت سريره وخايف على أمه وأخته.

بس في المقابل…

كلنا اتغيرنا.

زينب بطلت تحاول تكون كاملة طول الوقت.

بقت لما تتعب تقول إنها تعبانة.

ولما تزعل…

تعيط.

ولما تحتاج حد…

تطلب المساعدة.

وأمي عمرها ما لامتها.

كانت كل مرة تقول لها

يا بنتي… اللي يحبك، هيحبك بعيوبك قبل مميزاتك.

وأنا كمان بطلت أبص لنفسي على إني البنت الكسولة اللي ادعت المرض.

أيوه..

.

أنا غلطت لما كذبت.

لكن لما جه وقت الحق…

ما سكتش.

القضية أخدت وقت طويل.

جلسات.

وتحقيقات.

وأوراق.

وتعب ما يخلصش.

لكن في الآخر…

صدر قرار يمنع سالم من الاقتراب من بيتنا، ومن يومها ما رجعش يعيش معانا تاني.

ولا بقى له أي حق يقرب من شقة جدي.

والأهم من كل ده…

إنه عمره ما قدر يقف قدامنا تاني ويتصرف كأننا مديونين له ببيتنا… أو لقمة عيشنا… أو طاعتنا.

سنين عدت ولحد النهارده لسه فاكرة الساعة بالظبط.

كانت

عشرة وخمسة وتلاتين الصبح.

الساعة اللي شفت فيها جزمة سالم وهي داخلة أوضة زينب.

والساعة اللي فهمت فيها إن الخطر مش دايمًا بيكسر الباب علشان يدخل…

ساعات بيكون معاه المفتاح.

وبرضه عمري ما هنسى اللحظة اللي موبايلي نور فيها برسالة من أمي.

كانت كاتبة

شفت الفيديو.

ساعتها…

حسيت لأول مرة إننا مبقيناش لوحدنا.

واتعلمت إن حماية الأهل مش معناها تسمع كلام أكتر واحد صوته عالي.

حمايتهم الحقيقية إنك تتمسك بالحق. حتى لو صوتك بيرتعش وحتى لو كنت مستخبي تحت سرير.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0