
قالت وهي بتقلب الورق أنا كنت فاكرة إن كل اللي عمله بدأ يوم عرف إني اكتشفت سره… لكن الحقيقة إن الكدب كان أكبر من كده بكتير، وأقدم من اختفائي بسنين.
قريت أول ورقة، وحسيت إن الأرض بتميد بيا، لأن كل اللي كنا عايشين عليه كان كدب، وكل الفلوس اللي كان بيقول إنها من تعبه وشقاه، كانت جاية من شغل عمره ما كان حلال، وكان طول الوقت يضحك على أمي، ويخليها تفتخر بيه قدام الناس، وهي ما تعرفش إنها كانت عايشة مع راجل بوشين.
وساعتها بس فهمت إن هند ما كانتش ضحية راجل غريب، ولا عصابة خطفتها من الشارع… هند كانت ضحية أبوها.
بعدها بأيام، سلمنا كل اللي كان مع هند، ومن اللحظة دي القضية اتفتحت من أول وجديد، وكل يوم كنا بنروح تحقيق، وكل يوم يطلع سر جديد، وكل يوم نكتشف إن اللي حصل ما كانش غلطة ولا صدفة، ده كان ترتيب معمول من سنين طويلة.
وفي وسط كل ده، صاحبة أمي كلمتنا وهي بتنهج، وقالت لقيت حاجة… والله اللي لقيته هيقلب القضية كلها.
ولما روحنا لها، طلعت جزء من الملف القديم، وقالت وهي بتورينا الورق بصوا كويس… الصفحات دي اتشالت، واتحط مكانها ورق تاني.
وبعدين طلعت تقرير قديم، وقالت التقرير
ده اتدفن مع القضية، ومحدش شافه.
أخدته من إيديها، ولما قريته حسيت إن روحي خرجت مني، لأنه كان بيقول بالحرف إن الرفات اللي اتدفنت وقتها مافيش أي دليل مؤكد إنها تخص هند، وإن وقتها كان لازم التحقيق يكمل، لكن فجأة جه أمر بقفل القضية، وإعلان وفاة هند بشكل رسمي.
وساعتها أنا وأمي بصينا لبعض، ولأول مرة بعد السبع سنين، فهمنا ليه كانوا مستعجلين يدفنوها، وليه منعوا أي حد يدور أو يسأل أو حتى يشك… لأن طول ما هند مـ,ـيتة على الورق، محدش هيفكر يدور على البنت اللي كانت لسه عايشة، ومحدش هيعرف إن الحقيقة كانت مدفونة مع جنازة عمرها ما كانت جنازتها.
من يوم ما القضية اتفتحت من أول وجديد، أبويا اختفى كأنه فص ملح وداب. لا رجع البيت، ولا رد على مكالمة، ولا حتى حاول يطمن على أمي، وكأنه كان مجهز من زمان مكان يستخبى فيه لو الحقيقة خرجت للنور.
ومرت الشهور…
وكل يوم كنا ندخل تحقيق، ونطلع من تحقيق، وكل مرة يظهر اسم جديد، أو ورقة متـ,ـزورة، أو سر مدفـ,ـون من سنين.
لحد ما في يوم…
رن التليفون.
ولأول مرة من ساعة اختفائه، حسيت إن النهاية قربت.
لقوه.
كان مستخبي في شقة محدش يعرفها، متأجرة باسم شركة ورقية ملهاش أي نشاط، وكأنه كان عامل حسابه على اللحظة دي من زمان.
ولما دخلوا يقبضوا عليه…
ما لقوش راجل هـ,ـربان وبس.
لقوا أوراق مـ,ـزورة،
ومستندات، وحسابات بأسماء مختلفة، وفلوس بالملايين، وأدلة أكدت إن كل كلمة قالتها هند كانت حقيقة.
وساعتها…
وقع واحد… وراه واحد.
بدأوا يقبضوا على كل اللي شاركوه، ناس زورت تقارير، وناس خبت ملفات، وناس قبضت فلوس عشان الحقيقة تفضل مدفونة، وكل واحد كان بيحاول ينقذ نفسه على حساب التاني.
لكن أكتر خبر هزنا…
ما كانش القبض على أبويا.
كان الخبر اللي جه بعدها بكام أسبوع.
بعد مراجعة بلاغات التغيب القديمة، وتحليل الحمض النووي، اتعرفت أخيرًا هوية البنت اللي اتدفـ,ـنت مكان هند.
كانت هي كمان مفقودة من سنين، وأهلها كانوا لحد آخر يوم مستنيين باب البيت يخبط وترجع لهم، من غير ما يعرفوا إنها كانت مدفـ,ـونة طول الوقت… باسم بنت تانية.
والله العظيم..
.
ساعتها حسيت إن ربنا، حتى بعد العمر ده كله، رد للبنت دي حقها، ورجع لها اسمها، وخلى أهلها يودعوها الوداع اللي تستحقه، ويدعوا لها باسمها الحقيقي.
أما هند…
فالناس كانت فاكرة إن أول ما خرجت، الحكاية خلصت.
لكن الحقيقة…
إن أصعب حاجة ما كانتش الخروج.
أصعب حاجة كانت ترجع تعيش.
كانت تقوم من النوم مفزوعة، وتخاف من صوت الباب، وتنتفض لو حد علي صوته، وساعات تفضل قاعدة بالساعات ساكتة، تبص قدامها، وكأنها لسه محبوسة هناك.
وأمي…
ما كانتش بتسيبها لحظة.
كانت كل يوم تحضـ,ـنها، وتمشي وراها، وتبصلها وهي نايمة، كأنها خايفة تصحى في يوم ومتلاقيهاش تاني.
أما أنا…
فيمكن أكتر حاجة كسـ,ـرتني، ما كانتش إن أبويا اتحكم عليه.
لكن إن الراجل اللي كنت
أقول للناس طول عمري نفسي أبقى زيه… طلع هو اللي هدم بيتنا بإيده.
ومرت الأيام…
وحاجة عمرها ما كانت تيجي على بالي حصلت.
البيت اللي عاش سبع سنين كله وجع، بدأ يرجع يدب فيه الروح من تاني.
دخلنا الأوضة اللي اتقفلت من يوم ما قالوا إن هند ماتت.
شيلنا الورد الدبلان، ولمّينا كل حاجة كانت بتفكرنا بالكدبة اللي عيشناها، وحتى الصورة الكبيرة اللي كانت معلقة على الحيطة، نزلناها.
هند وقفت قدامها شوية…
وبعدين خدت صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين.
حضـ,ـنتها، وقالت
دي بس اللي هتفضل.
سألتها
ليه؟
ابتسمت ابتسامة وجعت قلبي، وقالت
عشان دي آخر مرة كنا فيها عيلة بجد… قبل ما الكدب يدخل بيتنا، وقبل ما الخوف يسـ,ـرق عمرنا.
والله العظيم…
الجملة دي
فضلت ترن في وداني أيام.
وأمي…
كل صباح كانت أول ما تفتح عينيها، تبص لهند، وتحمد ربنا وهي بتبكي، بعد ما قضت سبع سنين تقرأ الفاتحة على قبر، مالوش أي علاقة ببنتها.
أما أنا…
فاتعلمت درس هيعيش معايا لآخر يوم في عمري.
اتعلمت إن مش كل حد بنحطه فوق راسنا يستحق الثقة.
وإن مش كل واحد الناس تشهدله بالصلاح… يبقى فعلًا صالح.
إحنا عيشنا سنين نصدق كدبة…
مش لأنها كانت قوية.
لكن لأن اللي قالها… كان أكتر واحد وثقنا فيه.
وساعتها فهمت…
إن أخطر كدبة…
مش الكدبة اللي بتتقال.
أخطر كدبة…
هي اللي بيقولها لك واحد، عمرك كله ما خطرش على بالك إنه ممكن يخونك.
ومن يومها…
بقيت مؤمن إن وجع الحقيقة، مهما كان قاسي، أهون بكتير من إنك تعيش سنين مخـ,ـدوع.
أهون من إنك تصحى كل يوم، تدعي، وتبكي، وتقرأ الفاتحة…
وأنت فاكر إن حتة من روحك تحت التراب.
وبعد العمر ده كله تكتشف إن أختك ما كانتش تحت التراب أصلًا.
