ابني ض.ربني 30 قلم قدام مراته.

“ابني ض.ربني 30 قلم قدام مراته.. وتاني يوم الصبح وهو في مكتبه، بعت البيت اللي كان فاكر إنه ملكه ورميته في الشارع!”

أنا عديت كل قلم نزل على وشي..

واحد.. اتنين.. تلاتة..

على ما القلم الـ 30 نزل، كانت شفتي اتفتحت، وطعم الدم والمعدن ملى بوقي، وأي حتة باقية من “حنية الأب” جوايا كانت ماتت وشبعت موت.

هو كان فاكر إنه بيدي “للرجل العجوز” درس في الأدب.

ومراته “نيرمين” قاعدة على الكنبة بتبص بابتسامة صفراء مسمومة.. النوع ده من الناس اللي بيموتوا في ذل غيرهم.

ابني “شريف” افتكر إن شبابه وغله والفيلا اللي في “التجمع” كفاية عشان يخلوا كلمته هي المسموعة.

اللي مكنش يعرفه هو حاجة واحدة:

إني وأنا بتضرب، كنت بخرجه من حياتي ومن البيت في خيالي.

أنا اسمي “كمال”، عندي 68 سنة. قضيت 40 سنة ببني طرق وكباري ومشاريع بتهد الحيل. قعدت مع مقاولين، وعشرت صنايعية، ودفنت صحاب، وشفت ناس كتير بتخلط بين “الفلوس” و “الأصل”.

دي حكاية إزاي بعت فيلا ابني وهو لسه قاعد على مكتبه فاكر إن الدنيا ملكه.

الموضوع بدأ يوم تلات بارد في فبراير، كنت رايح أتعشى معاه بمناسبة عيد ميلاده الـ 30.

ركنت عربيتي الـ “سيدان” القديمة بعيد عن الفيلا، لأن “الدوران” كان مليان عربيات مرسيدس وبي إم، كلها متلمعة، لأصحاب “المنظرة” اللي عمرهم ما شالوا طوبة في حياتهم.

كنت شايل في إيدي علبة صغيرة ملفوفة بورق بني.. هدية ابني “شريف”.

من بره، الفيلا كانت تخطف العين.. وده طبيعي، لأني أنا اللي شاريها “كاش” من 5 سنين بعد صفقة العمر. سبتهم يسكنوا فيها وقلت لهم “ده بيتكم”.

بس اللي مـاقلتوش هو “السر” الكبير:

عقد الفيلا عمره ما كان باسمهم.. الفيلا متسجلة باسم شركة مقاولات أنا صاحبها الوحيد.

بالنسبة لهم كانت “هدية”.. بالنسبة لي كانت “اختبار”.. وهما سقطوا فيه بأوسخ طريقة.

العلامات بدأت من زمان.. شريف بطل يقول لي “يا بابا” وبقى بيعاملني كأني “حمل تقيل”. نيرمين كانت بتقول لي “لازم تتصل قبل ما تيجي”، رغم إن السقف اللي فوق راسها ملكي قانوناً. كانوا مكسوفين من عربيتي القديمة، ومن إيدي الخشنة، ومن صمتي.

ليلتها، الانفجار حصل على حاجة تفرس.

اديت لشريف ساعة “أنتيك” قيمة جداً، كان جده بيتمناها. فتح العلبة ببرود ورماها على التربيزة قدام ضيوفه وقال لي: “أنا زهقت من وجودك اللي دايماً وراه ‘توقع بالجميل’ في بيت ملوش علاقة بيك خلاص!”

رديت عليه بمنتهى الهدوء: “يا ابني، أوعى تنسى مين اللي حط الأساس اللي إنت واقف عليه.”

الكلمة دي كانت كفاية..

قام وقف.. زقني الأول.. وبعدين بدأ يضرب.. وأنا كنت بعدّ.

مش عشان أنا ضعيف.. عشان أنا “خلصت”.

كل خبطة كانت بتمسح حاجة جوايا.. الحب.. الأمل.. الذكريات.

على ما خلص، كان بينهج كأنه انتصر في معركة.

مسحت الدم من بوقي، وبصيت له كام ثانية، وفهمت الحقيقة اللي أهالي كتير بيفهموها متأخر:

ساعات إنت مـابتربيش “ابن بار”.. إنت بتمول “راجل جاحد”.

مـازعقتش.. مـاهددتوش.. مـاطلبتش البوليس.

خدت علبة الهدية من على الأرض، وخرجت.

تاني يوم الصبح، الساعة 8:06، كلمت المحامي بتاعي.

8:23، كلمت مدير الشركة.

9:10، الفيلا كانت معروضة للبيع السريع لمشتري كان مستني فرصة في المكان ده من شهور.

11:49، وشريف لسه في مكتبه فاكر إن حياته “فُل”، كنت أنا بمضي عقود البيع وبقبض التمن.

وفجأة.. تليفوني رن.

اسمه نور على الشاشة.. وأنا عارف هو بيتصل ليه.

لأن فيه حد دلوقتي رن جرس الفيلا.. واللي واقف بره مش جاي يقول له “صباح الخير”.

تفتكروا “شريف” هيعمل إيه لما يعرف إن المشتري الجديد معاه أمر إخلاء فوري؟ وهل الحاج كمال هيحن ويرجعه البيت ولا “الضربة اللي مـابتموتش بتقوي”؟

 

شريف كان بيتكلم بسرعة وهو بيصرخ:

“إيه اللي بيحصل يا بابا؟! في راجل واقف على باب الفيلا بيقول إنه المالك الجديد! ده هزار؟!”

الحاج كمال سكت ثانيتين…

الثانيتين دول كانوا تقال على شريف أكتر من أي كلمة.

بص الحاج كمال في الأرض شوية، وبعدين قال بهدوء:

“مش هزار يا شريف… الراجل ده فعلاً المالك الجديد.”

الصمت وقع على التليفون كأنه حجر.

شريف اتكلم بصوت متلخبط:

“إزاي يعني؟! دي بيتي!”

الحاج كمال رد بنفس الهدوء:

“لأ… دي عمرها ما كانت بيتك.

أنا قلتلك زمان إنها هدية… لكن عمرها ما كانت مكتوبة باسمك.”

شريف اتجمد مكانه.

في اللحظة دي، جرس الفيلا رن تاني…

والراجل اللي واقف بره بدأ يتكلم بصوت عالي شوية.

نيرمين قربت من الباب تبص من العين السحرية، ووشها اتغير فجأة.

همست لشريف:

“الراجل معاه ورق… ومعاه حد تاني… شكله محامي.”

شريف رجع للتليفون بسرعة:

“بابا… أنت بتهزر صح؟ قول إنك بتهزر!”

الحاج كمال قال جملة قصيرة بس:

“أنا عمري ما بهزر في الشغل.”

وفجأة… شريف افتكر حاجة.

افتكر وهو بيضرب أبوه امبارح…

وافتكر نظرة الحاج كمال وهو ساكت…

النظرة اللي مفيهاش غضب… بس فيها نهاية.

صوت شريف بدأ يتهز:

“بابا… أنا كنت متعصب بس… ماكنتش أقصد…”

الحاج كمال قاطعه:

“القلم الأول كنت فاكره غضب…

القلم العاشر فهمت إنه إهانة…

القلم التلاتين خلاني أفهم إني غلطان… بس مش فيك… في نفسي.”

الهدوء في صوته كان أصعب من أي صريخ.

على باب الفيلا…

الجرس رن للمرة التالتة.

والصوت من بره قال بوضوح:

“يا أستاذ شريف… إحنا معانا عقد البيع وأمر الإخلاء… ياريت تفتح الباب.”

نيرمين بصت لشريف بخوف:

“هنعمل إيه؟!”

شريف وقف في نص الصالة…

البيت اللي كان فاكره حياته…

بقى فجأة مجرد مكان لازم يسيبه.

رجع للتليفون تاني وقال بصوت مكسور:

“بابا… أنا ابنك.”

الحاج كمال سكت لحظة…

وبعدين قال بهدوء شديد:

“كنت.”

الكلمة نزلت على شريف أقسى من أي ضربة.

لكن بعد ثانيتين… الحاج كمال كمل:

“بس لو لسه فاكر إنك ابني…

تعالى لي لوحدك… من غير مراتك… ومن غير غرورك.”

شريف سأل بسرعة:

“يعني إيه؟”

الحاج كمال قال:

“تعالى لي كإنك صنايعي جديد في شركتي…

تشتغل… وتتعب… وتعرف يعني إيه تبني حاجة بإيدك.”

شريف سكت.

الحاج كمال كمل:

“لو قدرت تبني نفسك من الأول…

يمكن ساعتها أفتكر إني عندي ابن.”

وبعدين قفل التليفون.

على باب الفيلا…

المشتري الجديد كان واقف مستني.

وجوا…

شريف واقف قدام حياة بتنهار.

لكن لأول مرة…

فهم إن البيت اللي اتبنى بالفلوس ممكن يضيع في لحظة…

إنما البيت اللي بيتبني بالأصل والتربية…

ده اللي بيعيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
10