
عدت الأيام، وكنت فاكرة إن الموضوع هينتهي عند المحاضر والمحاكم، بس الندل المحترف مبيستسلمش بسهولة.
في يوم وأنا راجعة من الشغل وواخدة بناتي في إيدي، لسه بدخل الشارع لاقيت لمة ناس قدام باب عماراتي، وقلبي انقبض. قربت بسرعة، ولاقيت الجيران واقفين وهو واقف في النص، عمال يصرخ ويمثل دور الراجل المكسور، وعامل مندبة! أول ما شافني، شاور عليا وقال بصوت عالي عشان يسمّع الشارع كله: “أهي.. أهي الست اللي فتحت لها بيتي ورضيت بيها وببناتها الأيتام، وفي الآخر طردتني في الشارع وسرقت فلوس مشروعي اللي كنت مشغله ليها ولعيالها! يرضي ربنا يا ناس أرجع من شغلي ألاقي قفل الباب متبدل وهدومي مرمية بره؟”
الناس بدأت تبص لبعضها وتبص لي بنظرات لوم، والدم غلي في عروقي. بناتي جريوا استخبوا ورا ضهري وهم بيعيطوا من الخوف. مفيش ثانية، ولاقيت أم أحمد جارتي نازلة من العمارة زي الإعصار، وقفت في وشه وقالتله بصوت جهوري: “بس يا كداب يا نصاب! عامل فيها سبع البرمبة وأنت جاي تقعد في شقة ست وتصرف عليك؟”
أنا مسمحتلوش يكمل الفيلم بتاعه، سبت إيد بناتي ووقفت قدامه وبكل قوة وطلعت من شنطتي صور من المحضر وصورة القيد العائلي اللي كنت مخلية نسخ منهم معايا دايماً، ورفعتهم في وش الجيران وقولت بأعلى صوت عندي: “يا أهل المنطقة يا محترمين، البني آدم ده دخل بيتي على إنه مقطوع من شجرة، واتجوزني وضحك عليا، وفي الآخر اكتشفت بالقيد العائلي ده إنه متجوز وعنده تلات عيال وعايش بفلوسي وفلوس بناتي الأيتام هناك! ولمّا واجهته، ضربني وعلم على وشي والتقرير الطبي في القسم، وكان عايزني أتنازل له عن الشقة تمليك شقى عمري عشان يطلقني! أهي دي حقيقته!”
الشارع كله سكت، والصدمة بقت على وشوش كل الواقفين. هو وشه جاب مية لون، وعينيه بقت تروح وتيجي وملقاش كلمة يقولها بعد ما كشفته قدام الناس كلها. كبير المنطقة، الحاج غريب، قرب منه ومسكه من هدومه وقاله بغضب: “بقى جاي تتبلى على ست أرميلة وتاكل مال يتامى في منطقتنا؟ غور من هنا يالا بدل ما نعمل معاك الجلاشة والبوليس ييجي يلمك!”
الناس بدأت تلتف حواليه وتزقه بره الشارع، وهو ماشي يتطوح ويبص لي بنظرات غل ويتوعد بصوت واطي: “مش هسيبك.. مش هسيبك يا…” لحد ما اختفى من الشارع خالص.
بعد الموقف ده، الق*ضية مشيت أسرع مما كنت أتخيل. المحامي بتاعي استغل محضر الضرب وق*ضية التزوير والتناقض في إنه متجوز ومخبي، والقاضي حكم لي بالطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكل حقوقي وحق بناتي في الشقة بالكامل، والزملاء في الشغل لما عرفوا حقيقته من المحاضر والشوشرة اللي حصلت، اتقلبوا عليه واتفصل من الشركة بسبب غيابه ومشاكله.
يوم ما استلمت ورقة طلاقي، رجعت الشقة، قفلت الباب عليا وعلى بناتي، سجدت في الأرض وبكيت دموع فرحة وراحة عمري ما حسيتها. بصيت لبناتي وقولتلهم: “الشقة دي بتاعتكم، ومحدش في الدنيا هيقدر يخرجكم منها ولا يكسر عينيكم تاني”. ومن اليوم ده، قفلت باب قلبي على بناتي، ورجعت بشتغل وبشيل مسؤوليتهم وأنا راسي مرفوعة في السماء، وعرفت إن الست لما بتكون أم، ربنا بيحط في قلبها قوة تهد جبال عشان تحمي ضناها.
…………
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بحالها وأنا بنام ومخيفتش، وبصحى وأنا مش شايلة هم الكدب والغل اللي كان مالي بيتي. المحكمة حكمت عليه كمان بنفقة للبنات كتعويض عن الضرر، ورغم إنه حاول يتهرب ويغير مكان شغله عشان ميرجعش الفلوس، المحامي بتاعي جابه من قفاه، وبقى يدفع غصب عنه وبقوة القانون.
الشغل بتاعي اتقيت فيه وبقيت ماسكة قسم جديد، ورجعت هيبتي وسط زمايلي اللي بقوا يبصوا لي باحترام وفخر إني قدرت أقف على رجلي وأحمي بناتي.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في الصالة والمطرب المفضل لبناتي شغال في التلفزيون، والبنت الكبيرة قاعدة بتذاكر والصغيرة بتلعب جنبي.. فجأة الباب خبط. قلبي انقبض لثواني، الفوبيا القديمة لسه سايبة أثر، بس قومت وبصيت من العين السحرية. لاقيتها أم أحمد جارتي، فتحت لها وبستها وسألتها: “خير يا أم أحمد؟ في حاجة؟”
أم أحمد دخلت ووشها بيتكلم من قبل ما تنطق، قعدت على الكنبة وقالت لي وهي بتنهج: “مش ه تصدقي يا أميرة اللي حصل.. أنا لسه جاية من بيت أختي في المطرية، وعرفت هناك خبر عن المحروس جوزك القديم”.
جسمي قشعر بس قعدت قدامها وقولت ببرود: “جرى له إيه؟”
قالت لي والشما.تة في عينيها: “طلع مراته الأولانية، أم عياله التلاتة، مكانتش تعرف حاجة عن جوازه منك ولا من غيرك! ولما الحكاية اتكشفت وعرفت إنه اترفد من الشغل وجاي يقعد في بيتها ملوش لزمة، قلبت عليه الدنيا.. وعرفت كمان إنه كان واخد قروض بضمان الشغل القديم وضيع الفلوس في مشروعه الوهمي ده، البوليس جه خده من قلب بيتها الأسبوع اللي فات عشان شيكات من غير رصيد وتزوير، ومراته رفعت عليه قض*ية خلع وطردته من حياتها ومن شقتها اللي هي باسمها هي كمان!”
سكت لثواني.. الصدمة مكنتش قوية، لاني كنت عارفة إن أخره الضياع، بس حسيت براحة غريبة، حسيت إن ربنا جاب لي حقي تالت ومتلت ومن غير ما أوسخ إيدي بحاجة. بصيت لأم أحمد وقولتلها: “يمهل ولا يهمل يا أم أحمد.. اللي ياكل مال اليتامى ويتبلى على الولايا، ربنا بيخليه عبرة في الدنيا قبل الآخرة. سيبك منه، هو خلاص بقى صفحة مقطوعة من كتاب حياتنا”.
أم أحمد مشيت، وأنا دخلت المطبخ، عملت كيكة بالشوكولاتة اللي بناتي بيحبوها، وطلعت صينية العشا وقعدنا إحنا التلاتة في وسط الصالة.. ناكل ونضحك وصوتنا عالي ومحدش بيقولنا “صوتكم عالي ليه”.
بنتي الصغيرة بصت لي وهي بتاكل وقالت لي: “ماما.. أنا بحبك أوي، وأنا فرحانة إننا مع بعض لوحدنا”.
دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع رضا ونصر، أخدتها في ح.ضني وأختها الكبيرة ضمتنا إحنا الاتنين، وقولتلهم: “وأنا بمو.ت فيكم يا قلب ماما.. طول ما إحنا إيد واحدة، مفيش راجل في الدنيا هيقدر يكسرنا ولا يدخل بيننا تاني.. إحنا السند لبعض”.
………
وعدت السنين زي اللمح البصر، والبنات كبروا قدام عينيا وبقوا كل دنيتي. الكبيرة دخلت كلية الهندسة اللي كانت بتحلم بيها، والصغيرة بقت في ثانوية عامة ومجنناني بمذاكرتها وشقاوتها اللي مبقتش تفارق البيت. طول السنين دي وأنا واقفة في ضهرهم، سد منيع، لا هانت عليا نفسي ولا هانوا عليا، وبقيت بشتغل ليل نهار عشان موفرلهمش بس لقمة العيش، لأ، عشان أخليهم دايماً رافعين راسهم وميحسوش بنقص أو كسر.
في يوم، كنا قاعدين بنحتفل بتخرج بنتي الكبيرة، الصالة كانت مليانة زغاريد وفرحة من أم أحمد وبناتها، والبيت كله ورد وضهرنا وسندنا كان ربنا سبحانه وتعالى. وسط الفرحة دي، تليفوني رن.. رقم غريب مكنتش عارفاها، قومت في البلكونة بعيد عن الدوشة ورديت: “ألو.. مين معايا؟”
جالي صوت من الناحية التانية.. صوت ضعيف، مكسور، فيه رعشة غريبة وعجز مكنتش أتخيله، قال بتلعثم: “أميرة.. أنا سامح”.
قلبي مدقش ولا ثانية من الخوف، الإحساس اللي جالي كان زهد وعدم اهتمام، قولتله بنبرة هادية وقوية: “عايز إيه يا سامح؟”
قال والدموع باينة في صوته: “أنا خرجت من السجن يا أميرة.. خرجت ومحيليش اللضا، صحتي راحت، ومراتي الأولانية رمتني وعيالي مش عايزين يشوفوا وشي، والكل قفل الباب في وشي.. أنا متجنتش في الدنيا قد ما اتجنت بسبب اللي عملته فيكي وفي بناتك.. أنا جاي أطلب منك السماح، سامحيني عشان ربنا يفك كربي، أنا عايش في الشارع”.
بصيت للسما، ونسمة هوا دافية خبطت في وشي، وافتكرت كل القهر والضرب والإهانة، وافتكرت دموع بناتي وخوفهم.. وبصيت جوة الصالة لاقيت بنتي الكبيرة بتضحك وصاحباتها بيصوروها بالشهادة.
